وأما رؤيا الفتيين حيث قال أحدهما: {إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} [سورة يوسف: الآية 36] فتلطفوا ليوسف أن يبلغهما بتأويل رؤياهما لما شاهدوا من إحسانه للأشياء وإحسانه إلى الخلق. ففسر رؤيا من رأى أنه يعصر خمرا أنه ينجو من سجنه ويعود إلى مرتبته وخدمته لسيده , فيعصر له العنب الذي يؤول إلى الخمر , وفسر رؤيا الآخر فيقتل ثم يصلب فتأكل الطير من رأسه. فالأول رؤياه جاءت على وجه الحقيقة , والآخر رؤياه جاءت على وجه المثال وأنه يقتل , ومع قتله يصلب ولا يدفن حتى تأكل الطيور من رأسه. وهذا من الفهم العجيب والغوص على المعاني الدقيقة , وذلك أن العادة أن المقتول يدفن في الحال ولا تتمكن السباع والطيور من الأكل منه. ففهم أن هذا سيقتل ولا يدفن سريعا حتى يصل إلى هذه الحال , وفي هذا من فضيحته وخزيته وسوء مصيره الدنيوي ما تقشعر منه الجلود وحيث علم أن هذه الرؤيا صحيحة , لا بد من وقوعها , قال لهما: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [سورة يوسف: الآية 41] وهذا من كمال علمه للتعبير الذي لا يعبر عن ظن وتوهم وإنما يعبر عن علم ويقين. وأما المناسبة في ذلك في أن الطيور لا تقرب الحي وإنما تتناول الميت إذا لم يكن عنده أحد , وهذا إنما يكون بعد قتله وصلبه. ومن كمال يوسف ونصحه وفطنته العجيبة أنهما لما قصا عليه رؤياهما تأنى في تعبيرها ووعدهما بتعبيرها بأسرع وقت , فقال: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} [سورة يوسف: الآية 37] فوعدهما بتعبيرها قبل أول طعام يأتيهما من خارج السجن ليطمئنا ويشتاقا إلى تعبيرها , وليتمكن من دعوتهما قبل التعبير ليكون أدعى لقبول الدعوة إلى الله لأن الدعوة لهما إلى الله أهم من تعبير رؤياهما.