وإذا كانت قوانين البشر مع ما فيها من القصور والتناقض والاضطراب توجب مخالفتها عند أصحابها الجزاءات والعقوبات؛ فكيف بمناقضة شرع الله تعالى، والانسلاخ من حكمه وهو أفضل الأحكام على الإطلاق؟
لقد شرع الله تعالى إقامة الحدود، ومنها: حد الردة تحقيقاً لأهم مقاصد الشريعة وهو حفظ الدين، وهو سبحانه الحكيم في شرعه، الرحيم بعباده، العليم بما يصلح أحوال خلقه في معاشهم ومعادهم.
وفي الآونة الأخيرة تطاول شرذمة من السفهاء على هذه الشريعة، فوصفوا الأحكام الشرعية المترتبة على المرتد بأنها استبداد وقسوة ومناقضة للحرية الفكرية ... فقام من يرد ذلك الإفك بضعف وتأوّل متكلف وانهزامية ظاهرة؛ فلا الإسلامَ نصروا ولا"السفهاء"كسروا.
ولذا سنعرض في هذه المقالة لمعنى الردة وشيء من أحكامها وتطبيقاتها، وأسباب الوقوع فيها ...
إذا رجعنا إلى كتب الفقه، فإننا نجد أن الفقهاء في كل مذهب من المذاهب الأربعة يعقدون باباً مستقلاً للمرتد وأحكامه، ونورد فيما يلي أمثلة لتعريفاتهم للردة، أعاذنا الله منها.
ففي"بدائع الصنائع"للكاساني الحنفي [ت 587 هـ] : (أما ركن الردة فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان؛ إذ الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان) [7/ 134] .
ويقول الصاوي المالكي [ت 1241 هـ] في"الشرح الصغير": (الردة كفر مسلم بصريح من القول، أو قول يقتضي الكفر، أو فعل يتضمن الكفر) [6/ 144] .
وجاء في"مغني المحتاج"للشربيني الشافعي [ت 977 هـ] : (الردة هي قطع الإسلام بينة، أو فعل سواءً قاله استهزاء، أو عناداً، أو اعتقاداً) [4/ 133] .
ويقول البهوتي الحنبلي في"كشاف القناع": (المرتد شرعاً الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلاً) [6/ 136] .
وبنظرة في هذه التعريفات نجد أن الردة رجوع عن الإيمان، فهي رجوع باعتبار المعنى اللغوي؛ فالمرتد هو الراجع، ومن قوله تعالى: {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21] .