الصفحة 29 من 41

يقول القاضي عياض: (وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله:"أنا الحق"، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته) [1] .

وقد بسط الحافظ ابن كثير الحديث عن أحوال الحلاج وصفة مقتله، فكان مما قال: (قُدِّم(الحلاج فضُرِبَ ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وحز رأسه، وأحرقت جثته، وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف في تلك النواحي) [2] .

من أهم أخبار المرتدين وأكثرها عبرة ما سجله الحافط ابن كثير في حوادث 726 هـ، حيث ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل الهيثي على كفره واستهانته بآيات الله وصحبته الزنادقة.

قال البرازلي: (وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام والاستهانة بالنبوة والقرآن) .

وحضر قتله العلماء والأكابر وأعيان الدولة، قال: (وكان هذا الرجل قد حفظ"التنبيه"، وكان يقرأ في الختم بصوت حسن، وعنده نباهة وفهم، ثم إنه انسلخ من ذلك جميعه، وكان قتله عزاً للإسلام، وذلاً للزنادقة وأهل البدع) .

قال ابن كثير: (وقد شهدتُ قتله، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية حاضراً يومئذ، وقد أتاه وقرّعه على ما كان يصدر عنه قبل قتله، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك) [3] .

ومما يجدر ذكره في هذه المقالة؛ أن الردة التي جاهر بها بعض زنادقة هذا العصر كـ"رشدي"، و"نسرين"، و"نصر أبو زيد"، و"البغدادي"... وأضرابهم أشنع من ردة أسلافهم، كـ"الحلاج"، و"الهيثي"، والله المستعان.

وبالجملة؛ فردة هؤلاء الزنادقة في القديم والحديث ليست مجرد ردة فحسب، بل ضموا إلى هذه الردة المحاربة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والإفراط في العداوة، والمبالغة في الطعن في دين الله تعالى، وصاحب هذه الردة المغلظة لا يسقط عنه القتل وإن تاب بعد القدرة عليه.

(1) الشفا، 2/ 1091.

(2) البداية والنهاية، 11/ 143.

(3) البداية، 14/ 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت