الصفحة 3 من 41

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

العلماء هم ورثة الانبياء، وهم نجوم يُهتدى بهم في الظلماء، ومعالم يُقتدى بهم في البيداء، أقامهم الله تعالى حماة للدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، ولولاهم -بتوفيق من الله لهم- لطُمست معالمه، وانتكست أعلامه بتلبيس المُضلين، وتدليس الغاوين.

ولهذا كان من أعظم المصائب التي يُبتلى بها الناس، وتحرّك نفوس الاكياس، موت العلماء؛ لان هذا الاخير سببٌ لرفع العلم النافع، وانتشار الجهل الناقع.

تعلم ما الرَّزية فَقْدُ مال *** ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ

ولكن الرزية فقدُ حُرٍّ *** يموتُ بموتِهِ بشرٌ كثيرُ

فقد كُلّفت أن أكون في إحدى اللجان الشرعية بليبيا، وتشرَّفت بالارتباط مباشرة مع الشيخ أبي الحسن البليدي كمسؤول لنا في ضبط الفتوى والامور الشرعية.

فكنا أكثر ما نسأل عنه في تلك الفترة مسائل دقيقة في أحكام الكفر والإيمان والتوقيع على العقود -سواء كانت صريحة في الكفر أو مُحتمِلة له-، وكيفية الاستتابة منها؟

وما حكم من وقَّع على تلك العقود متأولًا أو كان مقصده الراتب دون أن يباشر أي عمل أو يلتزم بأي بند من بنود العقود؟

فقد كانت مثل هذه المسائل تسبب لغطًا كبيرًا في الساحة؛ ولا يوجد من يؤصّل لتلك المسائل من أهل العلم المعتبرين.

فقمت بإرسال تساؤلاتي بشكل عام لاعرف توجيه الشيخ أبي الحسن بما يدور في الساحة آنذاك، وكنت وقتها جديدًا على الساحة الليبية ومحتارًا في التعامل مع الواقع الليبي.

فبدأني في جوابه بشكر ونصيحة كان لها الأثر الكبير على نفسي، وفتحت كثيرًا من مداركي، ثم شرع في الاستدراك على سؤالي بكل لطف وأسلوب راقٍ ليرسّخ في ذهني عدم الانجرار وراء العموميات التي يبني عليها الشباب المتحمّس أحكامهم الشرعية، أو تلقُّف كل ما يُنثر في الساحة من أحكام وفتاوى دون تمحيص وتحقيق لها.

فكان بحق جوابه هذا يصلح أن يكون متنًا يدرَّس لكل الشرعيين المبتدئين في الساحات الجهادية، ونصيحته نبراسًا للمغررين بأنفسهم أن يتحدّثوا في نوازل الأمة وقضاياها الشائكة.

وقد احتفظت بهذا الجواب لفترة، ثم طلبت من الشيخ -تقبله الله- أن أنشره لتعم فائدته، فطلب مني أن أرسله له ليراجعه، لكن وافاه الاجل قبل أن يصل إليه الجواب ليراجعه أو يستدرك فيه، فرأيت أن أنشره لتعم به الفائدة.

ونشكر إخواننا في (مؤسسة التحايا) أن قاموا بتفريغ الجواب والتَّكفّل بنشره، سائلًا الله -عز وجل- أن يتقبَّل منهم صالح أعمالهم، ويعيننا وإياهم على نصرة دينه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم / أبو البراء الأزدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت