السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أما بعد:
قبل البدء في جواب سؤالكم ينبغي التمهيد بشُكرٍ ونُصح:
أما الشُّكر: فنشكر لكم حسن ظنِّكم بشخصنا الضعيف بأن سألتمونا عن مسألة من نوازل الجهاد، والله تعالى نسأل أن نكون عند حسن ظنِّكم بنا، وأن يوفِّقنا لحسن الجواب، هو وليُّ ذلك والقادر عليه.
وأما النُّصح: فهي نصيحة لكل من يبحث في مسائل ونوازل الجهاد: اعلم أخي أن نوازل الجهاد كثيرة وشائكة؛ لأنها ناتجة عن حركة بشريَّة متداخلة ومعقَّدة، ومن جهة أخرى فالساحة الجهادية خالية من العلماء القادرين على الاجتهاد والاستنباط، وما كتبه علماؤنا قديمًا كتبوه في ظروف غير ظروفنا، كتبوه في أيام عزِّ دولة الإسلام، أيام كان فيها الخليفة يقول للسحابة:"أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجُكِ"!.
ولا شكَّ أن اختلاف الظروف له تأثير على الحكم، لذلك أنصح نفسي وإخواني عند التعامل مع مسائل الجهاد بالتَّأنِّي وسعة الصدر في بحث وترجيح مسائل النوازل، بحيث ينظر إليها الباحث من جميع نواحيها، ويحاول جهده جمع ما يتعلَّق بها من الأدلة وكلام العلماء باستيفاء وتقصٍّ وتجرُّد.
وليس من شرط التَّرجيح في مسائل الجهاد النَّازلة أن يكون جميع المجاهدين في ساحات الجهاد متَّفقين على خلاصتها ونتيجتها، ولهذا ينبغي للكاتب أو المُصنِّف والباحث أن يحصر نتيجة ما توصَّل إليه على نظره واجتهاده وبحثه، ويحذر أن يعمِّم ذلك ليجعله نظرة المجاهدين عمومًا ومن المُسلَّمات عندهم بمنزلة الإجماع؛ فقد يكون هناك من المجاهدين من يبحث المسألة ويصل إلى خلاف ما توصَّل إليه هو فيقع الحرج، وتدخل أقلام النقد والنقض والضرب في الطول والعرض.
واختلاف الاجتهاد في مسائل الجهاد ليس فيه أدنى حرج ولا طعن في طريق الجهاد، ولا هو دليل على التنازع والاختلاف، بل أرى ذلك من أكبر دواعي اتِّساع الصدور، وهو أمر تربويٌّ ينبغي أن يُغرس في نفوس المجاهدين بحيث تُوضع كل مسألة موضعها ويُدخل عليها من بابها، سواءً كانت تلك المسائل إجماعيَّة أو خلافيَّة أو اجتهاديَّة.
بل أرى أحيانًا أنه من المناسب أن يذكر في المسألة أن للمجاهدين قولًا آخر ذهب إليه بعض علمائهم وفضلائهم، وأن اختياراتهم في ذلك تعدَّدت، وذلك حتى لا تنقلب بعض المسائل الفرعيَّة الاجتهاديَّة إلى مسائل عقديَّة قطعيَّة في أذهان كثير من المجاهدين بحيث يعُدُّون من خالف فيها القول الذي يعرفونه ولا يعرفون غيره قد خالف قطعيًّا من القطعيَّات، أو أنه وبسبب الرأي الذي ترجَّح عندهم لم يعد على (منهج الجهاد) ، فإن هذا تضييق لما وسَّع فيه الشَّرع -والله أعلم-.
هذا ولا يمكن حمل المجاهدين -من جهة القناعة القلبيَّة- في جميع المسائل على رأي واحد، ولا قول متَّفق متطابق. ولكن هذا شيء، وإجراء سياسة الجماعة على ما اختارته (ترجيحًا) في مسائل الاجتهاد شيءٌ آخر، فيقول العالم أو المجتهد بما ترجَّح عنده وظهر له، إلا أنه يتَّبع أمراءه فيما ترجَّح لهم واختاروه في مواطن الاجتهاد حتى لا يقع التنازع ولا يحصل الاختلاف والتدافع.
وكل هذا في مسائل الاجتهاد كما قال العلَّامة ابن أبي العز الحنفي -رحمة الله-:[وقد دلَّت نصوص الكتاب والسُّنة وإجماع سلف الأمة أن وليَّ الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يُطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه؛ فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية.
ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. والصواب المقطوع به صحَّة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض. ويُروى عن أبي يوسف أنه لمَّا حجَّ مع هارون الرشيد، فاحتجم الخليفة، وأفتاه مالك بأن لا يتوضأ، وصلَّى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصلَّيت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين. يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فِعل أهل البدع]. (شرح العقيدة الطحاوية: 246/ 1) .
[والأمر عندكم واضح -إن شاء الله-، ولكن هذه الأمور كلها للتنبيه، وحتى لا نُضيِّق على أنفسنا فيما وسَّعه الشَّرع علينا، فلم يزل علماء المذاهب يقاتل بعضهم وراء بعض ومع بعض في المعركة الواحدة والجيش الواحد، مع ما بين تلك المذاهب من الاختلاف في كثير من مسائل الجهاد كما يُعرف ذلك من كتبهم، ولم يكن ذلك من دواعي تنازعهم أو خروجهم عن وصف (المجاهدين) ] . انتهى من نصيحة للشيخ أبي يحيى -رحمه الله-.
وكدليل على اختلاف وجهات وفتاوى الفقهاء -رحمهم الله- حتى أيام قيام دولة الإسلام فإن هناك فقهاء أفتوا بجواز مهادنة المرتدين وتأمينهم للمصلحة والحاجة كما ذكر علاء الدين السمرقندي في (تحفة الفقهاء) ، والكاسائي في (بدائع الصنائع) ، والزيلعي في (تبيين الحقائق) ، والنووي في (روضة الطالبين) . وفي نفس الموضوع قال غيرهم: لا يجوز أن يعقد لهم ذمَّة ولا هدنة ولا أمان ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال. فأرجو أن يسعنا ما وسع علماءنا -رحمهم الله-، مع بقاء المباحثة والمودَّة والأخوَّة.