-أمَّا سؤالكم المتعلق باستتابة من وقع في ردَّة وهو متأوِّل مثل من وقع عقودًا مع وزارة الدفاع وكان قصده الراتب ولا يوجد مناط صريح للكفر، فهل يجب على من يتوب أن يتبرَّأ من الكفر ويعتقد أنه كان على كفر؟
فالجواب والله المستعان:
اعلم أن السؤال ينقصه التوضيح والتفصيل، فقد ذكرتم في سؤالكم كلمة"عقود"فليتكم بيَّنتم ماهيَّتها وما هي طبيعة هذه العقود لننظر فيها، هل هي من النوع الصريح في الكفر؟ أم من المحتمل؟ أم هي من كبائر الذنوب التي لا ترتقي إلى درجة الكفر؟ فمعرفة طبيعة العقود التي هي مناط الحكم ضروري لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
كما أن معرفة طبيعة تلك العقود له دخل أيضًا في مسألة (التأويل) المذكورة في نص السؤال، حيث أن مساحة التأويل تضيق وتتَّسع بحسب طبيعة العقود، هل هي من الكفر الصريح؟ وهل هي من المسائل المشتهرة أم الخفيَّة؟ ... الخ.
كما أنكم لم تذكروا حقيقة الشخص المُوقِّع هل هو مقدور عليه أم ممتنع؟ وذكرتم كلمة"استتابة"و"متأول"و"قصده الراتب"و"يتبرأ من الكفر ويعتقد أنه كان على كفر"، وكلها تحتاج إلى مباحث ينبغي توضيحها كي يتَّضح الجواب.
ملاحظة: سأجيبك على وفق تصوري للسؤال من غير مراجعتكم في تفاصيل السؤال ربحًا للوقت، وربما أذكر مسائل تساعد على الإحاطة بالمسألة.
أولًا: الكفر المطلق وتكفير المعيَّن، أو كفر النوع وكفر العين:
الكفر المطلق نحو قولهم:"من قال القرآن مخلوق فقد كفر"، وكذلك إطلاقات العلماء في الطوائف المنحرفة عن عقيدة أهل السنة والجماعة، كقولهم:"الجهمية كفار"أو"القدرية كفار"أو نحو ذلك، فثمَّة فرق بين هذا الإطلاق وبين تنزيل هذه الأحكام على الأعيان.
أهل السنه يفرّقون بين تكفير المطلق وتكفير المعيَّن؛ ففي الأول يُطلق القول بتكفير صاحبه -الذي تلبَّس بالكفر- فيُقال: من قال كذا، أو من فعل كذا فهو كافر. ولكن الشخص المعيَّن الذي قاله أو فعله لا يُحكم بكفره إطلاقًا حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
فمثلًا يقول ابن تيمية في الجهمية: [الجهمية كفَّرهم السَّلف والأئمة تكفيرًا مطلقًا، وإن كان الواحد المعيَّن لا يكفر إلا بعد قيام الحُجَّة التي يكفر تاركها] ، ويقول: [إن التَّكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعيَّن، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيَّن إلا إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع، يُبيِّن هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفّروا أكثر من تكلَّم بهذا الكلام بعينه] .
وقال عن الإمام أحمد:[ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربة وحبسه، واستغفر لهم وحلَّلهم مما فعلوه، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجُز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنه والإجماع.
وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفّروا المعيَّنين من الجهمية، وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معيَّنين، فأما أن يُذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يُحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفر بعينه؛ فلِقيام الدليل على أنه وُجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. ومن لم يكفّره بعينه فلِانتفاء ذلك في حقه. هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم].
وقال أيضًا: [الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكّن من فهمها، وقد يكون عرضت عليه شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطاياه كائنًا ما كان، سواءً كان في المسائل النظريَّة، أو العمليَّة، هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام] .. [وكذلك الشافعي لمَّا قال لحفص الفرد حين قال القرآن مخلوق، كفرت بالله العظيم، بيَّن له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردَّة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبيَّن له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد، لسعى في قتله] .