فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 157

بَابُ صِفَةِ الْمُتَهَجِّدِينَ وَنَعْتِهِمْ

٢٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ ذَرٍّ يَقُولُ: لَمَّا رَأَى الْعَابِدُونَ اللَّيْلَ قَدْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ, وَنَظَرُوا إِلَى أَهْلِ السَّآمَةِ وَالْغَفْلَةِ قَدْ سَكَنُوا إِلَى فُرُشِهِمْ, وَرَجَعُوا إِلَى مَلاَذِّهِمْ مِنَ الضِّجْعَةِ وَالنَّوْمِ, قَامُوا إِلَى اللهِ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ بِمَا قَدْ وَهَبَ لَهُمْ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ السَّهَرِ, وَطُولِ التَّهَجُّدِ، فَاسْتَقْبَلُوا اللَّيْلَ بِأَبْدَانِهِمْ, وَبَاشَرُوا ظُلْمَتَهُ بِصِفَاحِ وُجُوهِهِمْ، فَانْقَضَى عَنْهُمُ اللَّيْلُ, وَمَا انْقَضَتْ لَذَّتُهُمْ مِنَ التِّلاَوَةِ, وَلاَ مَلَّتْ أَبْدَانُهُمْ مِنْ طُولِ الْعِبَادَةِ, فَأَصْبَحَ الْفَرِيقَانِ وَقَدْ وَلَّى عَنْهُمُ اللَّيْلُ بِرِبْحٍ وَغَبْنٍ، أَصْبَحَ هَؤُلاَءِ قَدْ مَلُّوا النَّوْمَ وَالرَّاحَةَ, وَأَصْبَحَ هَؤُلاَءِ مُتَطَلِّعِينَ إِلَى مَجِيءِ اللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ, شَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ, فَاعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ فِي هَذَا اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ, فَإِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا, إِنَّمَا جُعِلاَ سَبِيلاً لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ, وَوَبَالاً عَلَى الآخَرِينَ لِلْغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ, فَأَحْيَا اللَّهَ أَنْفُسَهُمْ بِذِكْرِهِ, فَإِنَّمَا تَحْيَى الْقُلُوبُ بِذِكْرِ اللهِ, كَمْ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدِ اغْتَبَطَ بِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ حُفْرَتِهِ, وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُولِ نَوْمِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللهِ لِلْعَابِدِينَ غَدًا, فَاغْتَنِمُوا مَمَرَّ السَّاعَاتِ وَاللَّيَالِي وَالأَيَّامِ رَحِمَكُمُ اللَّهُ.

٢٧٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ صَحِبْتُ أَقْوَامًا يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ فِي سَوَادِ هَذَا اللَّيْلِ سُجَّدًا وَقِيَامًا, يَقُومُونَ هَذَا اللَّيْلَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ, تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ, فَمَرَّةً رُكَّعًا, وَمَرَّةً سُجَّدًا, يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ, لَمْ يَمَلُّوا كَلاَلَ السَّهَرِ لِمَا قَدْ خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُسْنِ الرَّجَاءِ فِي يَوْمِ الْمَرْجِعِ، فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ بِمَا أَصَابُوا مِنَ النَّصَبِ لِلَّهِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَرِحِينَ, وَبِمَا يَأْمَلُونَ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ مُسْتَبْشِرِينَ, فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَافَسَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَعْمَالِ, وَلَمْ يَرْضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ, وَالْيَسِيرِ مِنْ فِعْلِهِ, فَإِنَّ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا مُنْقَطِعَةٌ، وَالأَعْمَالَ عَلَى أَهْلِهَا مَرْدُودَةٌ، قَالَ: ثُمَّ يَبْكِي حَتَّى تَبْتَلَّ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت