فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 25

الباب الثامن : في معجزات عصمته صلى الله تعالى عليه و سلم

معجزات في عصمة النبي عليه السلام:

أظهر الله تعالى لرسوله صلى الله تعالى عليه و سلم من أعلام نبوته بعد ثبوتها بمعجز القرآن و استغنائه عما سواه من البرهان ما جعله زيادة استبصار يحج بها من قلت فطنته و يذعن لها من ضعفت بصيرته ليكون إعجاز القرآن مدركا بالخواطر الثاقبة تفكرا و استدلالا و إعجاز العيان معلوما ببداية الحواس احتياطا و استظهارا فيكون البليد مقهورا بوهمه و بيانه و اللبيب محجوبا بفهمه و بيانه لأن لكل فريق من الناس طريقا هي عليهم أقرب و لهم أجذب فكان ما جمع انقياد الفرق أوضح سبيلا و أعم دليلا

عصمة النبي من أعدائه الكثيرين:

فمن معجزاته: عصمته من أعدائه و هم الجم الغفير و العدد الكثير و هم على أتم حنق عليه و أشد طلب لنفيه و هو بينهم مسترسل قاهر و لهم مخالط و مكاثر ترمقه أبصارهم شزرا و ترتد عنه أيديهم ذعرا و قد هاجر عنه أصحابه حذرا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة ثم خرج عنهم سليما لم يكلم في نفس و لا جسد و ما كان ذاك إلا بعصمة إليهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول: { والله يعصمك من الناس } فعصمه منهم

أعداؤه يحاولون قتله:

و إن قريشا اجتمعت في دار الندوة و كان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة و كان زعيم القوم و ساعده عبد الله بن الزبعري و كان شاعر القوم فحضهم على قتل محمد صلى الله تعالى عليه و سلم و قال لهم: الموت خير لكم من الحياة فقال بعضهم: كيف نصنع ؟

فقال أبو جهل: هل محمد إلا رجل واحد و هل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش فليس منكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا و يريح قومه و أطرق مليا فقالوا: من فعل هذا ساد

فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا و إني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر فإن قتلت أرحلت قومي و إن بقيت فذاك الذي أوثره

و على ذلك خرجوا فلما اجتمعوا في الحطيم خرج عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فقالوا: قد جاء فتقدم من الركن فقام يصلي فنظروا إليه يطيل الركوع و السجود

فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه فأخذ مهراشا عظيما و دنا من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو ساجد لا يلتفت و لا يهابه و هو يراه فلما دنا منه ارتعد و أرسل الحجر على رجله فرجع و قد شدخت أصابعه و هو يرتعد و قد دوخت أوداجه و رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ساجد

فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم فالتزموه و قد غشي عليه ساعة فلما أفاق قال له أصحابه ما الذي أصابك ؟ قال: لما دنوت منه أقبل علي من رأسه فحل فاغر فاه فحمل علي أسنانه فلم أتمالك و إني أرى محمدا محجوبا

فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم رغبت و أحببت الحياة و رجعت

قال: ما تغروني عن نفسي

قال النضر بن الحارث: فإن رجع غدا فأنا له

قالوا له: يا أبا سهم لئن فعلت هذا لتسودن فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه فأخذ حفنة من تراب و قال: شاهت الوجوه و قال: حمر لا يبصرون فتفرقوا عنه

و هذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى فصبر عليه حتى وقاه الله و كان من أقوى شاهد على صدقه

معمر بن يزيد يحاول قتل النبي صلى الله عليه و سلم:

و من أعلامه: أن معمر بن يزيد و كان أشجع قومه استغاثت به قريش و شكوا إليه أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و كانت بنو كنانة تصدر عن رأيه و تطبع أمره فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث و أريحكم منه و عندي عشرون ألف مدجج فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي و إن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة و كان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر و قصته في العرب مشهورة بالشجاعة و البأس

فلبس يوم وعده قريشا سلاحه و ظاهر بين درعين فوافقهم بالحطيم و رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم في الحجر يصلي و قد عرف ذلك فما التفت و لا تزعزع و لا قصر في صلاة فقيل له: هذا محمد ساجد فأهوى إليه و قد سل سيفه و أقبل نحوه فلما دنا منه رمى بسيفه و عاد فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط فقام و قد أدمى وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف فاجتعموا و غسلوا عن وجهه الدم

و قالوا ماذا أصابك ؟

قال: و يحكم المغرور من غررتموه قالوا ما شأنك ؟ قال: ما رأيت كاليوم دعوني ترجع إلي نفسي فتركوه ساعة و قالوا: ما أصابك يا أبا الليث ؟

قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوي إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران و تلمع في أبصارهما فعدوت فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد

كلدة بن أسد يحاول قتل النبي صلى الله عليه و سلم:

ومن أعلامه: أن كلدة بن أسد أبا الأشد و كان من القوة بمكان خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم فرأى رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل و عقال فجاء كلدة و معه المزراق فرجع المزراق في صدره فرجع فزعا فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشد ؟ فقال: و يحكم فإني أراه فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف فاستهزأت به ثقيف فقال: أنا أعذركم لو رأيتم ما رأيت لهلكتم

أبو لهب يحاول قتل النبي صلى الله عليه و سلم:

و من أعلامه: أن أبا لهب خرج يوما و قد اجتمعت قريش فقالوا له: يا أبا عتبة إنك سيدنا و أنت أولى بمحمد منا و إن أبا طالب هو الحائل بيننا و بينه و لو قتلته لم ينكر أبو طالب و لا حمزة منك شيئا و أنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية و تسود قومك

فقال: فإني أكفيكم ففرحوا بذلك و مدحته خطباؤهم

فلما كان في تلك الليلة و كان مشرفا عليه نزل أبو لهب و هو يصلي و تسلقت أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و هو ساجد فصاح أبو لهب فلم يلتفت إليه و هما كانا لا ينقلان قدما و لا يقدران على شيء حتى تفجر الصبح و فرغ صلى الله تعالى عليه و سلم

فقال أبو لهب: يا محمد أطلق عنا فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني قالا: قد فعلنا فدعا ربه فرجعا

قريش تتوعد النبي صلى الله عليه و سلم

و من أعلامه: أن قريشا اجتمعوا في الحطيم فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عشينا و فرق جماعتنا و بدد شملنا و عاب ديننا و سفه أحلامنا و ضلل آباءنا و كان في القوم الوليد بن المغيرة و أبو جهل بن هشام و شيبة بن ربيعة و النضر بن الحرث و منبه و نبيه ابنا الحجاج و أمية و أبي ابنا خلف في جماعة من صناديد قريش فقال له: قل ما شئت فإنا نطيعك قال: سأقوم فأكمله فإن هو رجع عن كلامه و عما يدعو إليه و إلا رأينا فيه رأينا فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس

فقام فتقدم إلى النبي صلى الله تعالى عليه و سلم و هو جالس وحده فقال: أنعم صباحا يا محمد

قال: يا عبد شمس إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة

قال: يا ابن أخي إني جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها و لنا فيها الفسحة ثم قال: يا ابن عبد المطلب إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فأقبل مني ما أقول لك قال: قل قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملكك علينا من غير تعب و نتوجك فارجع عن ذلك فسكت ثم قال له: و إن كان ما تدعو إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك

فقال: لا قوة إلا بالله ثم قال له: و إن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا و تفريق جماعتنا و إن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بني ثعلبة مجنونهم

فسكت النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فقال: يا محمد ما تقول ؟ و بم ارجع إلى قريش ؟

فقال النبي صلى الله تعالى عليه و سلم: { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } حتى بلغ إلى قوله { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود }

قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من إعجازها و قام فزعا يجر رداءه فرجع إلى قريش و هو ينتفض انتفاض العصفور و قام النبي صلى الله تعالى عليه و سلم يصلي فقالت قريش لقد ذهبت من عندنا نشيطا و رجعت فزعا مرعوبا فما وراءك ؟

قال: و يحكم دعوني إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا و لقد رعدت علي الرعدة حتى خفت على نفسي و قلت الصاعقة قد أخذتني فقدموا عني ذلك

قال ابن عرفة: الصاعقة اسم العذاب على أي حال كان و إنما أهلكت عاد بالريح و ثمود بالرجف فسمى الله تعالى ذلك صاعقة قال الأزهري: الصاعقة: صوت الرعد الشديد الذي يصعق منه الإنسان أي يغشى عليه

سراقة بن مالك يحاول قتل النبي صلى الله عليه و سلم:

و من أعلامه: أنه لما أراد الهجرة خرج من مكة و معه أبو بكر فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش و قد طلبته و بذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء فأعانه الله تعالى إخفاء أثره و أنبت على باب الغار ثمامة و هي شجرة صغيرة و ألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفه عين ولدغ أبو بكر هذه اللية غير لدغة فخرق ثيابه و جعلها في الشقوق و سد بعضها بقدمه اتقاء لرسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم

و أقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه فلقيه سراقة بن مالك بن جعشم و هو من جملة من توجه لطلبه فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم: اللهم اكفنا سراقة فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها فقال سراقة: يا محمد ادع الله أن يطلقني و لك علي أن أرد من جاء يطلبك و لا أعين عليك أبدا فقال اللهم إن كان صادقا فأطلق عن فرسه فأطلق الله عنه ثم أسلم سراقة و حسن إسلامه

دعثور يحاول قتل النبي صلى الله عليه و سلم:

و من أعلامه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم انفرد في غزوة ذي أمر عن أصحابه و اضطجع وحده فوقف عليه دعثور فسل سيفه و قال: يا محمد من يمنعك مني ؟

فقال: الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ثم قال له: من يمنعك مني ؟

قال: لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله

و عاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام و فيه نزل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم }

شيبة بن عثمان يحاول قتل النبي صلى الله عليه و سلم:

و من أعلامه: أن الناس لما انهزموا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم يوم حنين و هو معتزل عنهم رآه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة فقال: اليوم أدرك ثأري و أقتل محمدا لأن أباه قتل يوم أحد في جماعة إخوته و أعمامه قال شيبة: فلما أردت قتله أقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطلق ذلك: فعلمت أنه ممنوع

أربد بن قيس يسعى لقتل النبي صلى الله عليه و سلم:

و من أعلامه: أن عامر بن الطفيل و أربد بن قيس و هو أخو لبيد بن ربيعة الشاعر لأمه وفدا على رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم في قومهما من بني عامر فقال عامر لأربد: إذا قدمنا على محمد فإني شاغل عنك وجهه فأعله أنت بالسيف حتى تقتله

قال أربد: أفعل ثم أقبل عامر يمشي و كان رجلا جميلا حتى قام على رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فقال يا محمد: مالي إن أسلمت ؟ فقال: لك ما للإسلام و عليك ما على الإسلام

قال: ألا تجعلني الوالي من بعدك ؟ قال: ليس ذلك لك و لا لقومك و لكن لك أعنة الخيل تغزو بها

قال: أو ليست لي اليوم ؟ و لكن اجعل لي و لك المدد قال: ليس ذلك لك

فقال: قم يا محمد إلى ههنا فقام إليه فوضع عامر يده بين منكبيه ثم أومأ إلى الأبد أن اضرب فسل أربد سيفه قريبا من ذراع ثم أمسك الله يده فلم يستطيع أن يسله و لا يغمده

فالتفت رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم إلى أربد فرآه على ما هو عليه [ فقال اللهم اكفنيها بما شئت اللهم اهد بني عامر و أغن الدين عن عامر ] فانطلقا و عامر يقول: و الله لأملأنها عليك خيلا دهما و وردا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم: [ يأبى الله ذاك و أبناء قيلة يعني الأنصار ] ثم قال عامر لأربد: ويلك لم أمسكت عنه ؟ فقال و الله ما هممت به مرة إلا رأيتك و لا أرى غيرك أفأضربك بالسيف ؟

و سارا فأما عامر فطرح الله عليه الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول و ركب فرسه فركضه حتى مات

و أما أربد فقدم على قومه فقالوا ما وراءك يا أربد ؟ فقال: و الله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذا حتى أقتله ثم خرج بعد مقالته بيوم أو يومين و معه جمال له تتبعه فأرسل الله عليه و على جماله صاعقة أحرقتهم و قيل نزل في صاعقته قول الله تعالى: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } يعني خوفا من الصواعق و طمعا في المطر و فيه يقول لبيد بن ربيعة و هو أخو أربد لأمه:

( أخشى على أربد الحتوف و لا ... أرهب نوع السماك و الأسد )

( أفجعني الرعد الصواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النجد )

( كل بني حرة مصيرهم ... قل و إن أكثرت من العدد )

( أن يغبطوا يهبطوا و إن أمروا ... يوما يصيروا للهلك و النكد )

فإن قيل: فهذه أخبار آحاد لا يقطع بمثلها قيل: العداوة ظاهرة و الطلب معلوم و السلامة موجودة فلم تدفع جملة الأخبار و لم يصح في جميعها توهم الكذب و إن جاز في آحادها توهم الكذب كالمحكي من سخاء حاتم و شجاعة عنتزة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت