فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 25

الباب الثالث عشر: في معجزه صلى الله تعالى عليه و سلم بما ظهر من البهائم

المعجزات تظهر حيث أراد الله تعالى:

إذا كان الإعجاز خارقا للعادة لم يمتنع فيه ظهور ما خالفها و إذا أراد كاتب البهائم مسلوبة الأفهام مفقودة الكلام فليس بمستنكر إذا أراد الله تعالى بها إظهار معجز أن يعطيها من المعرفة أن تنطق بما ألهمها و تخبر بما أعلمها ثم سلبها ذلك فتعود إلى طبعها كما أحل في الشجرة كلاما سمعه موسى و في العصا أن صارت حية تسعى لتكون من باهر الآيات و قاهر المعجزات

ذئب يبشر ببعثه النبي صلى الله عليه و سلم:

فمن آياته صلى الله تعالى عليه و سلم: أن رجلا كان في غنمه يرعاها فأغلفها ساعة من نهاره فخاتله ذئب فأخذ منها شاة فأقبل يلهث فطرح الذئب الشاة ثم كلمه بكلام فصيح فقال: ويحك لم تمنعني رزقا رزقنيه الله تعالى فجعل أهبان يصفق بيديه و يقول: تالله ما رأيت كاليوم ذئب يتكلم

فقال الذئب: أنت أعجب و في شأنكم عبرة هذا محمد يدعو إلى الحق ببطن مكة و أنتم لاهون عنه فهدي الرجل لرشده و أقبل حتى أسلم و حدث القوم بقصته و بقي لعقبه شرف يفخرون به على العرب و يقول مفتخرهم أنا ابن مكلم الذئب

ذئب آخر يبشر بالنبي:

و من آياته صلى الله تعالى عليه و سلم: ما رواه أبو سعيد الخدري قال: بينما راع يرعى في الحرة غنما إذ جاء ذئب إلى شاة من غنمه فانتهزها فحال الراعي بين الذئب و الشاة فأقعى الذئب على عريمة ذنبه و قال للراعي: ألا تتقي الله و تحول بيني و بين رزق ساقه الله إلي ؟ فقال الراعي: العجب من ذئب يقعي على ذنبه يكلمني بكلام الإنس فقال له الذئب: ألا أحدثك بأعجب من هذا هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق فأخذ الراعي الشاة فأتى بها المدينة ـ و أتى النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فخرج إلى الناس فقال للراعي: [ قم فحدثهم ] فقام يحدثهم فقال: [ صدق الراعي ] و كان اسمه عمير الطائي فسمي مكلم الذئب

شهادة الضب بنوة محمد صلى الله عليه و سلم:

و من آيات صلى الله تعالى عليه و سلم: ما روى ابن عمر عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم كان في محفل من أصحابه إذ جاء إعرابي قد صاد ضبا و جعله في كمه ليذهب به فيأتي رأي الجماعة قال: و ما هذا ؟ قالوا: النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فجاء يشق الناس و قال: و اللات و العزى ما أحذ أبغض إلي منك و لولا أن تسميني قومي عجولا لعجلت بقتلك فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ادعني أقوم فاقتله فقال: يا عمر أما علمت الحليم كاد أن يكون نبيا ثم قال للأعرابي: ما حملك على ما قلت ؟ فقال: و اللات و العزى لا آمنت أو يؤمن بك هذا الضب و أخرج الضب من كمه فطرحه بين يدي النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم:[ ياضب فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك و سعديك يا زين من يوافي القيامة قال: من تعبد ؟ قال الذي في السماء عرشه و في الأرض سلطانه و في الجنة رحمته و في النار عقابه قال فمن أنا يا ضب ؟ قال: رسول رب العالمين و خاتم النبيين و قد أفلح من صدقك و قد خاب من كذبك

فقال الأعرابي: لا أتبع أثرا بعد عين و الله لقد جئتك و ما علي ظهر الأرض أحد أبغض إلى منك و إنك اليوم أحب إلي من نفسي و من والدي و إني لأحبك بداخلي و خارجي و سري و علانتي أشهد أن لا إله إلا الله و أنك محمد رسول الله

فقال صلى الله تعالى عليه و سلم: الحمد لله الذي هداك بي إن هذا الدين يعلو و لا يعلى ]فرجع الأعرابي إلى قومه فأخبرهم بالقصة و كان من بني سليم فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ألف إنسان منهم فأمرهم أن يكونوا تحت راية خالد بن الوليد رحمة الله عليه و لم يؤمن من العرب ألف في وقت واحد غيرهم

عنزة تسجد للنبي عليه السلام:

و من آياته صلى الله تعالى عليه و سلم:[ ما رواه أنس بن مالك قال: دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم حائطا للأنصار و معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه و في الحائط عنز فسجدت له فقال أبو بكر: يا رسول الله كنا نحن أحق بالسجود لك من هذه العنزة

فقال: إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد و لو كان ينبغي أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ]

سجود البعير للنبي عليه السلام:

و من آياته صلى الله تعالى عليه و سلم [ ما رواه عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن قعود عند رسول الله بن إذا أتاه آت فقال: يا رسول الله ناضح بني فلان قد دبر عليهم قال فنهض و نهضنا معه فقلنا: يا رسول الله لا تقربه فإنا نخافه عليك فدنا من البعير فلما رآه البعير سجد له فوضع يده على رأس البعير و قال: هات السكان فوضعه في رأسه و أوصى به خيرا ]

صوت يبشر بالنبي صلى الله عليه و سلم:

و من آياته صلى الله تعالى عليه و سلم: ما رواه جبير بن مطعم قال: كنا جلوسا عند صنم لنا قبل أن يبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم بشهر فنحرنا جزورا فسمعنا صائحا يصيح: اسمعوا إلى العجب ذهب استراق السمع لنبي بمكة اسمه [ أحمد ] مهاجر إلى يثرب فكان هذا من الآيات المنذرة و الآثار المبشرة

جمل يستجير بالنبي عليه السلام:

و من آياته صلى الله تعالى عليه و سلم: [ أنه بينما هو جالس في أصحابه إذ هو بجمل قد أقبل له رغاء فوقف فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم: أتدرون ما يقول هذا ؟ إنه ليقول: إني لآل فلان [ لحي من الخزرج ] استعملوني و كدوني حتى كبرت و ضعفت فلما لم يجدوا في حيلة يريدون ذبحي فأنا أستغيث بك منهم فأوقفه رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و بعث إليهم فاستوهبه منهم فوهبوه له و خلاه في الحي ]

عجل ينذر أهل دريح:

و من آياته صلى الله تعالى عليه و سلم: ما رواه برد عن مكحول قال: بينما أهل دريح [ حي من عرب اليمن في مجلسهم ] إذ أقبل عجل و سلم فسألهم و قال: أهل دريح أمر نجيح ببطن مكة يصيح بلسان فصيح بشهادة أن لا إله إلا الله فأجيبوه و قال و فيه نزل قول الله تعالى: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا }

فإن قيل فيجوز أن يكون ما سمع من كلام البهائم كالصدى يحكي كلام المتكلم فيظنه السامع كلام الصدى و هو كلام المتكلم و يكون ذلك بقوة يحدثها الله تعالى في المتهيء لذلك يخفي عن الأسماء و الأبصار

فعنه جوابان: أحدهما: أن الصدى يحكي كلاما مسموعا إذا قابله قبل صوته فحكاه و ليس كلام البهيمة مقابلا لكلام يحيكه فامتنع التشاكل

و الثاني: أن القوة المهيأة لذلك ليست من جنس قوى البشر فلا يكون في التفاضل إعجاز و إنما هي خارجة عن جنس قواهم فخرج عن قدرتهم و ما خرج عن قدرة البشر كان معجزا لو صح هذا الاعتراض لبطل به الاعتراض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت