فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 1407

إثبات قاعدة: إذا أردت أن تطاع فمر بما يستطاع.

وفي إباحة طالوت لجيشه أن يشربوا غرفة فيه دليل على قاعدة: إذا أردت أن تطاع فمر بما يستطاع، وأن من حكمة القائد ألا يمنعهم من شيء يحتاجون إليه منعًا باتًا، وإنما يبقي لهم فرصة لإزالة ما يحتاجونه من الحاجة؛ ولذلك فإن طالوت لم يقل: لا تشربوا أبدًا ولو متم من العطش لا تشربوا، بل قال: إلا من اغترف غرفة بيده؛ ولذلك لا بد أن يكون القائد حكيمًا في أمره ألا يكون تعسفيًا، لأن التعسف يؤدي إلى النفور والخروج عن طاعته، وإذا منعهم عن شيء مباح لفائدة فإنه لا يمنع منعًا نهائيًا وإنما يبقي فيه بقدر الحاجة، ولم يشتط عليهم في التكليف ويغلق كل الوسائل، وإنما لما منعهم من شيء أباح لهم شيئًا آخر؛ وهذا يدل على حنكته وسياسته وخبرته بالنفوس وأنه -فعلًا- أهل لما أعده الله له، ونزله فيه وهو منزلة قيادة الجيش. ولا شك أن هناك فرقًا بين من يشرب ويعب عبًا وبين من يغترف غرفة بيده يروي بها ظمأه، ويقتل بها عطشه.

الشراب يقوم مقام الطعام إذا عدم:

وفي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249] عبر عن الشرب بالطعام لأنه في حال شدة العطش يكون كالطعام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماء زمزم: (إنها طعام طعم) وقيل لأبي ذر: فمن كان يطعمك؟ -لما جاء مكة وجلس- قال: [ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع] فهذا من بركة ماء زمزم أنه سمن حتى تكسرت عكن بطنه، يعني: سمن سمنًا حتى صار شحم البطن طبقات، صار بعضه فوق بعض، وهذا خاص بماء زمزم ولا شك، لكن الذي عطش ولم يجد إلا الماء فإنه يقوم مقام الطعام بالنسبة له.

عدم الهجوم على الماء حال العطش: ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت