وكان رحمه الله يحب الخمول جدًا. والخمول ليس الكسل، وإنما خمول الذكر، أي: لا يحب أن يشتهر بين الناس، وأن يتناقل الناس ذكره أبدًا، وكانت مواقفه شديدة من هذا، مع كثرة الإنجازات التي قدمها لهذا الدين. قال المروذي: رأيت طبيبًا خرج من عند أحمد ومعه راهب -راهب نصراني- فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله -انظر بلغت منزلة الإمام أحمد أن النصارى تشوقوا لرؤيته- وقال: وأدخلت نصرانيًا على أبي عبد الله فقال له النصراني: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين، ليس بقاؤك صلاحًا للمسلمين وحدهم بل للخلق أجمعين، وليس من أصحابنا أحدٌ إلا وقد رضي بك، فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعا لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس. انظر! سبحان الله العظيم! يقول: إذا كنت أعرف قدر نفسي فماذا ينفعني كلام الناس وأنهم يدعون لي ويذكروني، وأنا أعرف نفسي أني لست بهذه المنزلة؟! وهو أعلى من هذه المنزلة. وقال عباس الدوري: حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب، فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت عجوزٌ فقالت: قد تركته يدعو لها -رأته ذهب غاضبًا، فقالت: قد تركته يدعو لها- انظر الآن واحد يقول للناس ويعلمهم يقول لهم هذا ولكنه في نفس الوقت يدعو لها (من استطاع أن ينفع أخاه بشيء فلينفعه) بدعاء، برقية، فجئت إلى بيتنا ودققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي!! استقبلته!! وبالمناسبة فإنه يجب أن نكون حذرين في الروايات، فنحن لا نريد أن نرفع الناس فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها، ونبالغ، والمبالغة خطيرة جدًا؛ لأنها تفقد واقعية الشيء، خصوصًا من الناس المفكرين، إذا