وبهذا يتبيَّن أنَّه لا تكرار بين الآيتين، فالمراد بإحقاق الحق في الآية الأولى إعلاؤه وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المشركين. والمراد بإحقاق الحق في الآية الثانية تثبيت دين الإسلام وتقويته وإظهار شريعته ومحق دين الكفر.
فكأنَّ ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب، وما اشتملت عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية [1] .
يقول سيد قطب:"لقد أراد الله بفضله ومَنَّه أنْ تكون ملحمة لا غنيمة، وأنْ تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد أنْ يقطع دابر الكافرين، فيقتل منهم من يقتل، ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكِّن الله للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم الطواغيت، وأراد أنْ يكون هذا التمكين عن استحقاق، وبالجد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال."
نعم أراد للعصبة المسلمة أنْ تصبح أمة، وأنْ تصبح دولة، وأنْ يصبح لها قوة وسلطان. وأنْ تعلم أنَّ النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد، إنَّما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد، وأنْ يكون هذا كله عن تجربة واقعية لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي، ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن كل عصبة مسلمة أنَّها تملك في كل زمان وفي كل مكان أنْ تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد. وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان" [2] ."
(1) د. محمد سيد طنطاوي: التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مرجع سابق، ص 49.
(2) سيد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، 4/1481.