ثم إنَّ الله جلَّ وعلا يذكرهم حين وعدهم إحدى الطائفتين العير ـ وهي الإبل الحاملة للأموال ـ أو النفير الذين استنفرهم أبو سفيان لحماية العير، وأنَّهم تمنوا وودوا أنَّ العير يكون لهم لما فيه من اليسر والكسب للمال، وليس فيها شوكة ولا قتال.
ولكن الإنسان يريد، والله يفعل ما يريد، فالله يريد غير ما أردتم، ويريد أنْ يمحصكم بملاقاة العدو الذي له الشوكة والقوة، وحتى تروا بأم أعينكم صدق ما وعدكم على لسان رسوله بأنَّ الدائرة تكون على أعدائكم المشركين وانتصاركم عليهم، وقتلكم لصناديدهم وأسركم للبعض الآخر منهم، وحيازتكم لأموالهم، وإذلال الكفر على أيديكم وانكسار شوكته وصولته وجولته.
وبهذا يكون الله قد أحق الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين واستأصلهم لكي يظهر دينه، ويعلي كلمته، ويدحض الباطل ويدفعه، ولو كره المجرمون والمشركون والمنافقون.
"وقد يتبادر إلى الذهن أنَّ في الآيتين تكريرًا، وليس كذلك، لأنَّ المراد بقوله سبب لما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بقوله تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة، لأنَّ الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببًا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله الذي هو الشرك، وذلك في مقابلة"الحق الذي هو الدين والإيمان" [1] ."
وقد ختمت هذه الوحدة القرآنية بقوله تعالى وفيه بيان لنفاذ إرادته سبحانه، أي اقتضت إرادته أنْ يعز الدين الحق وهو دين الإسلام، وأنْ يمحق ما سواه ولو كره المشركون والمجرمون والمنافقون ذلك، لأنَّ كراهيتهم لا وزن لها ولا تعويل عليها.
(1) الفخر الرازي: التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، طهران، ط/2، 15/128، والفتوحات الإلهية، 2/229.