وبعد هذا نستطيع أنْ نستخلص المعنى الإجمالي لهذه الوحدة القرآنية، حيث إنَّ الله تعالى يخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ هذه الحال المتعلقة بالغنائم وكيفية قسمتها وكراهة البعض منهم ذلك؛ تشبه حالهم عند خروجك من بيتك من المدينة بأمر الله لك لمواجهة النفير وهم كفار قريش الذين نفروا لاستئصال الإسلام والمسلمين، لقد أخرجك ربك، وأنت ملتبس بالحق وسداد الرأي، في الوقت الذي كان فريق من أصحابك المؤمنين كارهين للخروج، لأنهم لم يكونوا مستعدين للقاء العدو ومواجهته ولأنَّهم آثروا لقاء العير لما فيها من المال فقد حاولوا مجادلتك في الأمر الحق الواضح الجلي، وهذا كله بعد أنْ ظهر الحق واستبان، لأنَّ الذي لا ينطبق عن الهوى قد أخبرهم أنَّ العاقبة للمتقين وأنَّ النصر للمؤمنين، فالله قد وعد بالظفر بإحدى الطائفتين، ولا يمكن أنْ يتخلف وعد الله.
وبعد أنْ تبيَّن أنَّ أبا سفيان قد نجا بالعير ولم يبق إلاَّ النفير، فكان يجب عليهم التسليم والإذعان وعدم المجادلة لأنَّ نظرة الرسول صائبة ونظرتهم بالنسبة له قاصرة ولا تقاس الأمور بكثرة العدد والعدة، فالنصر من عند الله وهذا هو الذي حدث وتمخضت عنه المعركة.
وتبيَّن بعد الصواب وأنَّ اعتذارهم لم يكن صائبًا وخورهم لم يكن لائقًا، ولقد صور الله عزَّ وجلَّ شدة خوفهم وفزعهم من عدوهم وكيف استولى عليهم ذلك كأنما أي أنَّهم يكرهون القتال ومواجهة العدو وهم على تلك الحال، كما يكره من يساق إلى الموت وهو ينظر إلى مقدماته وأسبابه، ويشاهد حتفه ومصيره، فلا مفر منه ولا هرب مهما بذل من أسباب النجاة فلن يفلت من ذلك، والسبب باتصافهم بهذه الحال أنَّهم رأوا الفرق الشاسع بينهم وبين عدوهم في العدد والعدة، ونسوا وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد [الروم: 47] ، وأنَّ النصر ليس بكثرة العدد، فكم من فئة مؤمنة صادقة قليلة غلبت فئة كثيرة كافرة بإذن الله تعالى.