ومفهوم الحديث المنطبق على ما جرى به عمل السلف الصالح في الأعصر المشهود لها بالخير ،يصدق بمجرد الإجتماع لها في بيوت الله على التلاوة والدراسة ، فإذا اجتمع المسلمون في مسجد ، واشتغلوا بالتلاوة سرا وانفرادا ، شملهم الحديث جزما ، وإذا اجتمعوا واستداروا وقرأ واحد وهم يستمعون بحيث لا تشويش على مصل ، شملهم الحديث حتما ، وهو ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله ، وإذا عقدت مجالس التفسير والفقه في المساجد ، وقد وفقنا الله إليها وله الحمد والمنة منذ نصف قرن ، فهي داخلة في مفهوم الحديث قطعا ،أما الكيفيات المبتدعة ، على فرض تسليمها من المحاذير ، كالإجتماع بالإستدارة ، والجهر ، ورفع الصوت ، والقراءة والذكر المتساوق ، فلا يشهد لها الحديث أبدا ، ولو اجتهد الإنس والجن على ليّ عنقه ومحاولة تأوليه ، ويعجبني قول الحافظ أبو الفداء عماد الدين ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند آية: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [سورة النجم 39] ،وقد قرر أن قراءة القرآن لا تنفع الميّت ،ولا يصلهم من ثوابها شيء ، لأنها ليست من عمله ، وهو في هذا مخالف لمذهبه ، قال:"ولو كان خيرا لسبقونا إليه".
ومن طريف تعقيب الفقيه على قول ابن حجر الهيتمي المكي بأن الحجاج بن يوسف أول من ابتدع الجهر بالقرآن وبالإجتماع بالشام ، تعقبه الفقيه مستغربا قوله - مع تصريح الأدلة بالجوازكما زعم -على أنّ نقول الفقيه عن الطرطوشي ، والنووي ، وابن رجب الحنبلي ، وغيرهم كثير ممن لم يذكر ،يمكن تنزيلها على المفهوم الصّحيح السّليم ، وأنهم:
-أولا: لا يعرفون ما ابتدع في المغرب من تلك الكيفية .
-وثانيا: أنّ كلا مهم عام في مشروعية الإجتماع على التلاوة والذكر ، وهذا لا شيء فيه كما سبق تقريره.
الحديث الثاني:
رواه مسلم والترمذي في سننه بلفظ:"ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة ..."