وأما في الآية الثانية فإن اقتران هذين الاسمين يحمل معنى التهديد والوعيد لأعداء الله، فالله سبحانه وتعالى هو السامع لأقوالهم، العليم بأفعالهم. قال الطبري: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: ?كونوا هودا أو نصارى تهتدوا? من اليهود والنصارى، إن هم تولوا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله، وبما أنزل إليك، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم، وفرقوا بين الله ورسله، إما بقتل السيف، وإما بجلاء عن جوارك، وغير ذلك من العقوبات، فإن الله هو السميع لما يقولون لك بألسنتهم ويبدون لك بأفواههم من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضالة، العليم بما يبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحسد والبغضاء. ففعل الله بهم ذلك عاجلا وأنجز وعده، فكفى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بتسليطه إياه عليهم حتى قتل بعضهم وأجلى بعضا وأذل بعضا وأخزاه بالجزية والصغار. [1]
قال ابن سعدي: ولهذا وعد الله رسوله، أن يكفيه إياهم، لأنه السميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، العليم بما بين أيديهم، وما خلفهم، بالغيب والشهادة، بالظواهر، والبواطن، فإذا كان كذلك كفاك الله شرهم. [2]
وفي الآية الثالثة أيضًا جاء اقتران الاسمين تهديدًا ووعيدًا لمن بدل الوصية، لذا قال القرطبي في تفسيره عن هذين الاسمين وما تضمناه من الصفات: (( صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جَنَف [3] الموصين وتبديل المعتدين ) ) [4] . وإلى هذا أيضًا أشار ابن سعدي حيث قال: (( وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل ) ) [5] .
(1) جامع البيان 1/444.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/149.
(3) الجَنَفُ: الميل . (الجوهري ، الصحاح ، مادة [جنف] 4/1339) .
(4) الجامع لأحكام القرآن 2/180.
(5) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/219.