الصفحة 17 من 38

ويقول ابن سعدي: كما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزتك، وكمال حكمتك، فإنه ليس من حكمة أحكم الحاكمين أن يترك الخلق سدى هملا، لا يرسل إليهم رسولا، فحقق الله حكمته ببعثته خاتمًا، كما حقق حكمته ورحمته ببعثة إخوانه المرسلين من قبله. لئلا يكون للناس على الله حجة. والأمور كلها: قدريها، وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه. [1]

والآية الثانية جاء اقتران الاسمين فيها للتهديد والوعيد لمن عدل عن الحق بعد ما تبين له، فإن العزيز الحكيم إذا عصاه العاصي عن علم، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته، فإن من حكمته تعذيب العصاة والجناة. يقول ابن كثير في هذه الآية: (( وقوله ?فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات? أي عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه. ولهذا قال أبو العالية(ت90هـ) وقتادة (ت118هـ) والربيع بن أنس (ت139هـ) : عزيز في نقمته حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق (ت150هـ) : العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده )) [2] .

وقال الطبري في تفسيره: (( فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حججي وبينات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون، فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع، حكيم فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره ) ) [3] .

(1) القواعد الحسان لتفسير القرآن ص 63.

(2) تفسير القرآن العظيم1/249.

(3) جامع البيان 2/189،190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت