ويقول ابن سعدي: لم يقل الله: فعليكم من العقوبة كذا وكذا، بل قال ? فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? أي فإذا عرفتم عزته، وهي قهره وغلبته، وقوته وامتناعه، وعرفتم حكمته، وهي وضع الأشياء في موضعها، وتنزيلها محالها، أوجب لكم ذلك الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم، لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة: وهو المصر على الذنب مع علمه، وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه، لكمال قهره وعزته. [1]
واقتران الاسمين في الآية الثالثة لبيان أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يضيق عليكم ولكن حكمته سبحانه لم تقتض ذلك، بل شرع لكم كل ما هو محكم ومتقن، ويقول الطبري في تفسير الآية: (( إن الله عزيز في سلطانه لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة، لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه، فقصرتم في القيام به، ولا يقدر دافع أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله هو، لكنه بفضل رحمته منَّ عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك، وهو حكيم في ذلك لو فعله بكم، وفي غيره من أحكامه وتدبيره لا يدخل أفعاله خلل ولا نقص ولا وهن ولا عيب،لأنه فعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقب الأمور، فيدخل تدبيره مذمة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداء ) ) [2] .
وفي الآية الرابعة اقترن الاسمان لبيان أن الله سبحانه وتعالى عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره حكيم في أمره وشرعه وقدره. [3]
يقول الطبري في هذه الآية: (( عزيز في انتقامه ممن خالف أمره، وتعدى حدوده ... حكيم فيما دبر في خلقه، وفيما حكم وقضى بينهم من أحكامه ) ) [4] .
(1) القواعد الحسان لتفسير القرآن ص 64.
(2) جامع البيان 2/221.
(3) انظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 1/272.
(4) جامع البيان 2/276