الصفحة 188 من 233

وإِنْ كَانَتْ هذه المَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِنَ الأصُولِ الَّتي يُضَلَّلُ المُخَالِفُ فيها عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السٌّنَّةِ، [ لكِنِ الَّتي يُضَلَّلُ فيها، مَسْأَلَهُ ] الخِلافَةِ، وذلك أنَّهُمْ يُؤمِنُونَ أَنَّ الخَلِيفةَ بعدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، ثُمَّ عُثمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ومَنْ طَعَنَ في خِلافَةِ أَحَدٍ مِن هؤلاءِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمارِ أَهْلِهِ ). [1]

(1) قولُه: (وإنْ كانتْ هَذِهِ المسألةُ مسألةُ عثمانَ) إلخ أي: مسألةُ التَّفضِيلِ بينهما لوجودِ الخلافِ، فقد قال بعضُ أهلِ السُّنَّةِ بتقديمِ عليٍّ، والبعضُ تَوقَّفَ، وأمَّا مَن حَكى الإجماعَ على تفضيلِ عثمانَ فقد غَلِطَ، فالخلافُ موجودٌ، فَلِذا لا يُضلَّلُ المخالِفُ.

قولُه: (التي يُضلَّلُ فيها) إلخ أي: يُنسَبُ إلى الضَّلالِ هي مسألةُ الخلافةِ، فأهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ يؤمنون بأنَّ بعدَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ لفضلِه وسابِقَته، وتقديمِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- له على جميع الصَّحابةِ، وإجماعِ الصَّحابةِ على ذَلِكَ، ولم يكُن اللَّهُ لِيَجْمَعُهم على ضلالةٍ.

ثم أحقُّهُم بالخلافةِ بعدَ أبي بكرٍ عمرُ -رضيَ اللَّهُ عنهما-، وَذَلِكَ لِفَضْلِه وعَهدِ أبي بكرٍ إليه، واتِّفاقِ الأمَّةِ بعدَه عليه، ثم عثمانُ -رضي اللَّهُ عنه- لتقديمِ أهلِ الشُّورَى له واتِّفاقِ الأمَّةِ عليه. قال الإمامُ أحمدُ: ما اجْتَمَعوا على بيعةٍ ما اجْتَمَعوا على بيعةِ عثمانَ -رضي اللَّهُ عنه-، ثم عليٌّ لِفَضْلِه وإجماعِ أهلِ عَصرِه عليه، ولا شَكَّ أنَّ عَلِياًّ هُوَ الخليفةُ في زَمانِه خِلافةَ نبوَّةٍ، كما دَلَّ على ذَلِكَ حديثُ سَفينةَ الذي سيأتي.

وقال الإمامُ أحمدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- عليٌّ رابِعُهم في الخلافةِ والتَّفضِيلِ، وأمَّا معاويةُ فهُوَ مِن العُدولِ الفُضلاءِ والصَّحابةِ النُّجباءِ -رضي اللَّهُ عنهم-، فهؤلاء هُم الخلفاءُ الأربعةُ المشارُ إليهم في حديثِ العِرباضِ بنِ ساريةَ: (( عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ... ) )الحديثَ.

قولُه: (مَنْ طَعَن في خلافةِ واحدٍ منهم ) ) إلخ: لمخالَفَتِه النُّصوصَ الصَّريحةَ والإجماعَ، ولم يخالِفْ في ذَلِكَ إلا ضالٌّ زائغٌ.

قال الإمامُ أحمدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: مَن فضَّلَ علياًّ على أبي بكرٍ وعمرَ وقدَّمَه عليهما في الفَضيلةِ والإمامةِ دُونَ النَّسبِ فهُوَ رافِضيٌّ مبتدعٌ فاسِقٌ، ذَكَره القاضي أبو يَعْلَى وتَبَرَّأَ الإمامُ أحمدُ ممَّن ضَللَّهم أو أَحدًا منهم، وقال الإمامُ أحمدُ: مَن لم يُرَبِّعْ بعليٍّ في الخلافةِ فهُوَ أضَلُّ مِن حمارِ أهلِه، واحتجَّ الإمامُ أحمدُ بحديثِ سَفِينةَ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( تَكُونُ خِلاَفَةُ النُّبُوَّةِ ثَلاَثِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا ) )، وآخِرُ الثَّلاثينَ خلافةُ عليٍّ -رضي اللَّهُ عنه- مع أيَّامِ ابنِه الحسَنِ، وكانتْ سِتَّةَ أشْهُرٍ وشيئًا، وروى حديثَ سفينةَ أصحابُ السُّنَنِ وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ وغيرُه، فترتيبُ الخلفاءِ في التَّفضيلِ والخلافةِ كما ذَكَرَه المصنِّفُ خلافًا للرَّافضةِ مِن الشِّيعةِ وغيرِهم الذين يَزعُمون أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قد نَصَّ على خلافةِ عليٍّ، وهَذَا مِن أَعْظمِ الكذِبِ والافتراءِ، والأدِلَّةُ على بُطلانِ هَذِهِ الدَعْوى لا تُحصى، بل قد سُئِلَ عليٌّ -رضي اللَّهُ عنه- عن ذَلِكَ فأنْكَرَه، قال النَّوويُّ: وأمَّا ما تدَّعِيه الشِّيعةُ مِن النَّصِّ على عليٍّ والوصيةِ إليه فباطِلٌ لا أصلَ له باتِّفاقِ المسلِمِينَ، وأوَّل مَن كذَّبَهم عليٌّ -رضي اللَّهُ عنه-، ثم ذَكَرَ ما روى البخاريُّ عن أبي جُحيفةَ، قال: قلتُ لعليٍّ -رضي اللَّهُ عنه-: هل عندكم مِن الوَحْيِ شيءٌ غيرُ القرآنِ؟ قال: لا والذي فَلَق الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمةَ إلا فَهْمًا يُعطِيهِ اللَّهُ رجُلًا في القرآنِ، وما في هَذِهِ الصَّحيفةِ، قلتُ: وما في هَذِهِ الصَّحيفةِ؟ قال: العَقلُ وفكاكُ الأسيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسلِمٌ بكافرٍ، وروى مسلمٌ عن الأسودِ بنِ يزيدَ، قال: ذَكروا عند عائشةَ أنَّ علياًّ كان وصِياًّ، فقالت: مَتى أُوصِيَ إليه فقد كُنْتُ مُسنِدَتَه - تعني النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- - إلى صَدْرِي فدَعَى بالطَّسْتِ فلقد انْخَنَثَ في حِجري وما شَعرتُ أنه ماتَ، فمتى أَوصَى إليه؟ إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على بطلانِ ما تَزعُمُه الشِّيعةُ مِن أنَّه أَوصَى إليه، أو أنَّ لدى أهلِ البيتِ شيءٌ من العِلمِ، لا سيَّما عليٌّ لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ غيرُه، وقد أطالَ في المنهاجِ في ردِّ هَذَا وإبطالِه بأدِلَّةٍ واضحةٍ صريحةٍ - إلى أنْ قال - وأما النَّصُّ الذي تَدَّعِيه الرَّافِضةُ فهُوَ كالنَّصِّ الذي تَدَّعِيه الرَّاونديةُ على العبَّاسِ، وكِلاهما معلومُ الفسادِ بالضَّرورةِ عندَ أهلِ العلمِ، ولو لم يكُنْ في إثباتِ خلافةِ عليٍّ إلاَّ هَذَا لم تَثْبُتْ له إمامةٌ، كما لم تَثْبُتْ للعبَّاسِ إمامةٌ بنَظيرِه. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت