فهرس الكتاب
( وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويَتَوَلَّوْنَهُمْ، ويَحْفَظُونَ فيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ:(( [ أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتي ] ) ). [1]
(1) قولُه: (ويُحِبُّونَ أهلَ بيتِ رسولِ اللَّهِ) إلخ أي: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ يُحِبُّونَ أهلَ بيتِ الرَّسولِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ويَتَولَّوْنَهُم ويَحتَرِمُونهم ويُكْرِمونهم لِقَرابَتِهم مِن رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، فاحْتِرَامُهم ومحبَّتُهم والبِرُّ بهم مِن توقيرِه واحترامِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، وامتِثالًا لما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ مِن الحثِّ على ذَلِكَ، قال تعالى: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) وقد تكاثَرَت الأحاديثُ بالأمرِ بِذَلِكَ والحثِّ عليه، قال ابنُ كثيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بعدَ كلامٍ: ولا نُنْكِرُ الوِصايةَ بأهلِ البيتِ والأمرِ بالإحسانِ إليهم واحترامِهم وإكرامهم، فإنَّهم مِن ذرِّيَّةٍ طاهرةٍ وأشرفِ بيتٍ وُجِدَ على وَجْهِ الأرضِ فَخْرًا وحَسَبًا ونَسَبًا، ولا سيِّما إذا كانوا متَّبِعينَ للسُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ الصَّحيحةِ الواضحةِ الجليةِ، كما كان عليه سَلَفُهم كالعبَّاسِ وبَنِيه وعليٍّ -رضي اللَّهُ عنه- وأهلِ بَيْتِه وذَويهِ، وأهلُ البيتِ همْ آلُ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- الذين حُرِّمَتْ عليهم الصَّدَقةُ، كما فَسَّرَ ذَلِكَ راوي الحديثِ، وهم آلُ عليٍّ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ العبَّاسِ، وبنو الحارِثِ بنِ عبدِ المطلبِ، كما جاء تَفْسِيرُه في صحيحِ مسلمٍ، وَكَذَلِكَ أزواجُ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مِن أهلِ بَيْتِه كما دَلَّ عليه سياقُ آيةِ الأحزابِ، كما قرَّرَ ذَلِكَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ وابنُ القيِّمِ وغيرُهما، انتهى، وأَفْضلُ أهلِ بَيتِه عليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ الذي أَدارَ عليهم الكِساءَ وخَصَّهم بالدُّعاءِ، ذَكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- تعالى.
قولُه: (ويَحفَظون فيهم وصيَّةَ رسولِ اللَّهِ) إلخ أي: أَنَّ الرَّسولَ أَوْصى باحترامِهم والإحسانِ إليهمْ وإكرامِهم، كما في الحديثِ الذي ذَكَره المصنِّفُ.
قوله (حَيْثُ قال يومَ غَدِيرِ خُمٍّ) الحديثَ. قولُه (خُمٍّ) بِضمٍّ الخاءِ وتشديدِ الميمِ هُوَ اسمٌ لغَيْضةٍ على ثلاثةِ أميالٍ مِن الجُحفةِ، وهُوَ غَديرٌ مشهورٌ يضافُ إلى الغيضةِ، فيُقالُ غَديرُ خُمٍّ، والغَيضةُ الشَّجرُ الملتَّفُّ، والحديثُ رواه مسلمٌ في"صحيحِه"عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: قام فينا رَسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- خَطِيبًا بماءٍ يُدْعى خُماًّ بين مكةَ والمدينةِ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ووَعَظ وذَكَّر، ثم قال: (( أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ) فحَثَّ على كتابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ورَغَّبَ فيه ثم قال: (( وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ) )، فقال حُصينٌ: ومَن أهلُ بيتِه يا زيدُ أليس نِساؤُه مِن أهلِ بَيْتِه؟ قال: نساؤه مِن أهلِ بيتِه، ولكن أَهْلُ بَيْتِه مَن حُرِمَ الصَّدقةَ بعدَه، قال مَنْ هم؟ قال: هم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنهم-، قال: كُلُّ هؤلاء حُرِمَ الصَّدَقةَ؟ قال: نعم، وروى هَذَا الحديثَ أحمدُ وغيرُه، وقدْ رَوَاهُ التِّرمذِيُّ وزَادَ فيه وإنَّهما لم يَفْتَرِقا حتى يَرِدَا على الحوضِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وقد طَعَنَ غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ في هَذِهِ الزيادةِ، وقالَ: إنَّها ليستْ مِن الحديثِ، فهَذَا الحديثُ فيه الوَصِيَّةُ بأهلِ البيتِ والحثُّ على احترامِهم وإكرامِهم.
قولُه: (أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) أي: أُذَكِّرُكُم اللَّهَ، أي ما أمَرَ بِهِ مِن احترامِهم، وإكرامِهم، والقيامِ بحقِّهِم، قولُه ثلاثًا: مبالغةٌ في الحثِّ على ذَلِكَ، وكرَّرَه للتَّأكيدِ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وهَذَا اليومُ الذي خطبَ النَّبيّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في هَذَا الغديرِ المشهورِ هُوَ ثامِنَ عَشَرَ ذي الحجَّةِ، مَرجِعَه مِن حجَّةِ الوداعِ، وقد زاد أهلُ الأهواءِ في ذَلِكَ وزَعَموا أنَّه عَهِدَ إلى عليٍّ -رضي اللَّهُ عنه- بالخلافةِ، وذَكَرُوا كلامًا طويلًا باطِلًا، وزَعَموا أَنَّ الصَّحابةَ تَمَالَئُوا على كِتمانِ هَذَا النَّصِّ وغَصَبُوا الوَصِيَّ حقَّه، وفَسَقُوا وكَفُروا إلاَّ نَفَرًا قليلًا، وقد جَعلَ أهلُ البِدَعِ هَذَا اليومَ عِيدًا، وهَذَا ابْتِداعٌ في الدِّينِ؛ إذ الأعيادُ شَريعةٌ مِن الشَّرائعِ، فيَجِبُ فيها الاتِّباعُ لا الابتِداعُ، ولم يكُنْ في السَّلَفِ، لا مِن أهلِ البيتِ ولا مِن غيرِهم مَن اتَّخَذَ ذَلِكَ عِيدًا، انتهى مِن الاقتِضاءِ.