الصفحة 190 من 233

وقالَ أَيْضًا للعَبَّاسِ عَمِّهِ - وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرِيْشٍ يَجْفُو بَني هَاشِمٍ - فقالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للهِ وِلقَرابَتي ) ). [1]

(1) قولُه: (وقال أيضًا للعبَّاسِ) إلخ: هَذَا الحديثُ رواه الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن العبَّاسِ بنِ عبدِ المطلبِ، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ إنَّ قُريشًا إذا لَقِيَ بعضُهم بعضًا لَقُوهُم بِبِشْرٍ حَسَنٍ، وإذا لَقُونا لَقُونا بوُجوهٍ لا نَعرِفُها، فغَضِبَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- غضبًا شديدًا وقال: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإِيمَانَ حتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِه ) )رواه أحمدُ وفي لفظٍ ثم قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي، فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ) ). رواه الترمذيُّ وقال حسنٌ صحيحٌ.

قولُه: (العبَّاس) هُوَ ابنُ عبدِ المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، عَمُّ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ووالِدُ الخلفاءِ العبَّاسيِّينَ، وكان أسنَّ مِن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- بِسنَتَيْنِ أو ثلاثٍ وكان إسلامُه على المشهورِ قبلَ فَتحِ مكةَ، وكنيتُه أبو الفضلِ، وماتَ في خلافةِ عثمانَ سنةَ اثنتين وثلاثين، وله بضعٌ وثمانونَ سنةً، وصلى عليه عثمانُ، ودُفِن بالبَقِيعِ -رضي اللَّهُ عنه-.

قولُه: (وقد اشتكى إليه) مِن الشَّكْوى، وهُوَ أنْ تُخْبِرَ عن مَكروهٍ أصابَكَ. انتهى، نهايةٌ. قولُه: يَجْفُوا: الجفاءُ: تَرْكُ البِرِّ والصِّلَةِ، انتهى، نهايةٌ.

قولُه: (والذي نَفْسِي بِيَدِه) فيه الحَلِفُ على الفُتْيا، وفيه دليلٌ على دخولِ الأعمالِ في مسمَّى الإيمانِ، وهَذَا قولُ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ. قولُه: (لا يؤمنون) الحديثَ، هَذَا نَفْيٌ لكمالِ الإيمانِ الواجِبِ، ففيه دليلٌ على عَظِيمِ حقِّهم، ووُجوبِ احترامِهم، والتحذيرِ مِن بُغْضِهم، والتَّرغيبِ في حبِّهِم حتى نَفَى الإيمانَ عمَّن لا يحبُّهم، وفيه أنَّ محبَّةَ أهلِ البيتِ وقرابةِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مِن محبَّتِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- واحترامِه وإكرامِه، وفيه دليلٌ على فَضْلِ قَرابةِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-.

قولُه: (ولِقَرابَتِي) قرابةُ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مَن يُنْسَبُ إلى جَدِّه الأقربِ، وهُوَ عبدُ المطَّلِبِ ممَّن صَحِبَ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أو رآه مِن ذَكَرٍ أو أُنْثى، انتهى (فتحُ الباري) . وروى البخاريُّ عن ابنِ عمرَ -رضي اللَّهُ عنهما- عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّه قال: ارْقُبوا محمَّدًا في أهلِ بَيتِه. وفي الصَّحيحِ أَنَّ الصِّدِّيقَ قال لعليٍّ -رضي اللَّهُ عنه-: واللَّهِ لَقَرابةُ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ مِن قَرابَتي، وقال عمرُ بنُ الخطَّابِ للعبَّاسِ: واللَّهِ لاَسْلامُكَ يومَ أَسْلَمْتَ كان أحبَّ إليَّ مِن إسلامِ الخطَّابِ لو أَسْلَم؛ لأنَّ إِسلامَكَ كان أحبَّ إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مِن إسلامِ الخطَّابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت