الصفحة 192 من 233

( وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْواجَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتِ المُؤمِنينَ، ويُؤمِنُونَ بأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ في الآخِرَةِ: [1]

(1) قولُه: (ويَتولَّوْن أزواجَ رسولِ اللَّهِ) إلخ أي: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ يتولَّون جميعَ أزواجِ رسولِ اللَّهِ الطَّاهِراتِ المُبَرَّءاتِ مِن كُلِّ سوءٍ، ويَتَرضَّوْن عنهن، ويُعظِّمون قَدْرَهُنَّ، ويعرِفون فَضلَهُنَّ، ويَتبرَّءونَ ممَّن آذاهُنَّ أو سَبَّهُنَّ.

قولُه: (أزواجَ) جَمعُ زوجٍ، وقد يقالُ: زوجته والأوَّلُ أَفْصَحُ، كما قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الآيةَ.

قولُه: (أُمَّهاتِ المؤمنين) أي: في الاحترامِ والتَّعظيمِ، وتحريمِ نكاحِهِنَّ على التَّأبيدِ، لا في النَّظرِ والخَلوةِ بهنَّ، فإنَّه يَحرُمُ في حقِّهِنَّ كالأجانبِ، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) أي في الاحترامِ والتَّعظيمِ، فيَجِبُ احترامُهُنَّ وتعظيمُهنَّ، ويَحرُمُ الطَّعنُ فيهنَّ وقذْفُهنَّ لا سِيَّما عائشةُ أمُّ المؤمنين، فمَنْ قَذَفَها بما برَّأَها اللَّهُ منه فَهُوَ كافرٌ، وأمَّا مَن قَذَفَ غيرَها مِن نِساءِ النَّبيِّ ففيه قولان: قال ابنُ كثيرٍ: والأصحُّ أنَّهنَّ كعائِشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهن أجمعينَ.

قولُه: (ويؤمِنون بأنَّهنَّ أزواجُه في الآخِرةِ) وَذَلِكَ لِمَا في صحيحِ البُّخاريِّ وغيرِه: لما بَعثَ عليٌّ عمَّارا والحسَنَ إلى الكوفةِ ليَستَنْفِرَهم خطَبَ عمَّارٌ فقال: إِنِّي لأَعلَمُ أنَّها زَوجَتُه - أي عائشةُ - في الدُّنْيَا والآخرةِ، ولكنَّ اللَّهَ ابْتَلاكُم لتَتَّبِعُوه أو إيَّاها، وعندَ ابنِ حِبَّانَ مِن طريقِ سعيدِ بنِ كثيرٍ عن أبيه حدَّثَتْنا عائشةُ -رضي اللَّهُ عنها- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال لها: (( تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) )وفي حديثِ سَودةَ لمَّا أرادَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فِراقَها أنها قالت: يا رسولَ اللَّهِ، واللَّهِ مَا لِي بِالرِّجالِ مِن حاجةٍ، ولكن أُحِبُّ أنْ أُبعثَ مع نسائِكَ يومَ القِيامةِ، الحديثَ.

وأوَّلُ زوجاتِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- خَديجةُ بنتُ خويلدِ بنِ أسدٍ، تَزوَّجَها رسولُ اللَّهِ بمكةَ، وهُوَ ابنُ خمسٍ وعشرينَ سنةً، وبَقِيَتْ معه إلى أنْ أَكرمَه اللَّهُ برسالَتِه، فآمَنَتْ بهِ ونَصَرَتْهُ، وماتتْ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، ومِن خصائِصها -رضي اللَّهُ عنها- أنَّه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- لم يَتزوَّجْ عليها غيرَها، وأولادُه كُلُّهم منها إلا إبراهيمُ فإنَّهُ مِن سَريَّتِه ماريةَ، ومنها أنها خيرُ نساءِ الأُمَّةِ، واختُلِفَ في تَفضِيلِها على عائشةَ على ثلاثةِ أقوالٍ: منها: أَنَّ اللَّهَ بَعثَ إليها السَّلامَ مع جبريلَ فبَلَّغَها النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ذَلِكَ، ومنها: أنَّها لم تَسُؤْه قطُّ، ولم تُغاضِبْه، ولم يَنَلْها منه إيلاءٌ ولا عُتبٌ قطُّ ولا هَجْرٌ، ومنها: أنَّها أوَّلُ امرأةٍ آمَنَتْ باللَّهِ ورَسولِه مِن هَذِهِ الأمَّةِ، فلمَّا توفَّاها اللَّهُ تزوَّجَ بعدها سودةَ بنتَ زمعةٍ، وكَبِرَت عنده وأرادَ طَلاقَها فوهَبَتْ يومَها لعائشةَ، وَهَذِهِ مِن خصائِصها، وتزوَّجَ الصِّدِّيقةَ بنتَ الصِّدِّيقِ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ -رضي اللَّهُ عنها- وَهِيَ بنتُ سِتٍّ قبلَ الهجرةِ بسنتين، وبَنَى بها الرَّسولُ أوَّلَ مَقْدَمِه في السَّنَةِ الأولى وَهِيَ بنتُ تسعٍ، وماتَ عنها وَهِيَ بنتُ ثمانيةَ عَشَرَ سَنةً، وتُوفِّيَتْ بالمدينةِ ودُفِنَتْ بالبقيعِ، وأَوْصَتْ أنْ يُصلِّيَ عليها أبو هريرةَ سنةَ ثمانيةٍ وخمسيَن، ومِن خصائِصها أنَّها أحبُّ أزواجِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- إليه، وأنَّه لم يَتزوَّجْ بكرًا غيرَها، وأنَّه كان يَنْزِلُ عليه الوحيُ في لِحافِها، وأَنَّ اللَّهَ لما أَنْزَلَ آيةَ التَّخييرِ بَدَأَ بِها فخيَّرَها، وأَنَّ اللَّهَ برَّأَها مما رَماها بهِ أهلُ الإفكِ، وأنَّ أكابِرَ الصَّحابةِ كان إذا أَشْكَلَ عليهم الأمرُ استَفْتَوْها فيَجِدُونَ عِلمَه عندها، وأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- تُوفِّيَ في بيتِها وفي يومِها وبين سَحْرِها ونَحْرِها، ودُفِنَ في بَيْتِها، وأَنَّ المَلَكَ أَرَى صُورتَها للنَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قبل أنْ يَتزوَّجَها في سَرقةِ حريرٍ، وأَنَّ النَّاسَ كانوا يَتحرَّوْن بهداياهُم يومَها مِن رسولِ اللَّهِ تَقرُّبًا إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: وتزوَّجَ رسولُ اللَّهِ حفصةَ بنتَ عمرَ بنِ الخطَّابِ، وتُوفِّيتْ قبل سنةَ سبعٍ، وقيل: ثمانيةٍ وعشرين، وتزوَّجَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أُمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ، واسْمُها رَملَةُ، وتزوَّجَها رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وَهِيَ بأرضِ الحَبشةِ وأَصْدَقَها عنه النَّجاشيُّ أربعَمائةِ دينارٍ، ووَلِيَ نِكاحَها عثمانُ بنُ عفَّانَ، وتزوَّجَ الرَّسولُ أُمَّ سَلَمةَ واسْمُها هندُ بنتُ أبي أُميَّةَ، وتُوفِّيتْ قبلَ سنةِ اثنين وخَمْسينَ، ودُفِنَتْ بالبَقيعِ، وَهِيَ آخِرُ أزواجِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- موتًا، وقيل: ميمونةُ، وتزوَّجَ الرَّسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنبَ بنتَ جحْشٍ، وكانت قَبلُ عندَ مَولاه زيدُ بنُ حارِثةَ فطَلَّقَها، فزوَّجَها اللَّهُ إياهُ مِن فوقِ سبعِ سماواتٍ، وأَنْزَلَ اللَّهُ عليه: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مَّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) وهَذَا مِن خصائِصها، وتُوفِّيتْ بالمدينةِ سنةَ عِشرينَ، ودُفِنَت بالبقيعِ.

وتزوَّجَ الرَّسولُ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- زينبَ بنتَ خزيمةَ الهِلاليَّةَ، تزوَّجها الرَّسولُ سنةَ ثلاثٍ مِن الهجرةِ، وكانتْ تُسمَّى أُمَّ المساكِينِ، ولَمْ تلبَثْ عند رسولِ اللَّهِ إلاَّ يسيرًا شهرين أو ثلاثةً وتُوفِّيتْ، وتزوَّج رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- جويريةَ ابنةَ الحارثِ مِن بني المُصْطَلِقِ، وكانتْ سُبِيَتْ في غزوةِ بني المصطلِقِ، فوقَعَتْ في سَهمِ ثابتِ بنِ قيسٍ، فكاتَبَها فقضى رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- كِتابَتَها، وتَزوَّجَها سنةَ ستٍّ مِن الهجرةِ، وتُوفِّيَتْ سنةَ سِتٍّ وخمسينَ، وتزوَّجَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- صفيةَ بنتَ حُيَيٍّ مِن وَلَدِ هارونَ بنِ عمرانَ أخي موسى سنةَ سبعٍ، فإنَّها سُبِيَتْ مِن خيبرَ، تُوفِّيتْ سنةَ ستٍّ وثلاثين، وقيل: سنةَ خمسينَ، ومِن خصائِصها أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أعْتقَها وجَعلَ عِتقَها صداقَها، وتزوَّج رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ميمونةَ بنتَ الحارثِ الهلاليَّةَ، تزوَّج بها في سَرِفَ، وبَنَى بها بسَرِفَ، وماتتْ بسرِفَ، وسَرِفُ على سبعةِ أميالٍ مِن مكةَ، وميمونةُ آخِرُ مَن تزوَّجَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مِن أمَّهاتِ المؤمنين، توفِّيتْ سنةَ ثلاثٍ وستين، فهؤلاء جُملةُ مَن دَخلَ بهنَّ مِن النِّساءِ، وهُنَّ إحدى عَشْرَةَ.

قال الحافظُ المقدسيِّ: وعَقدَ على سَبعٍ ولم يَدْخُلْ بهنَّ، ولا خِلافَ أنَّه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- تُوفِّيَ عن تسعٍ كان يَقْسِمُ منهنَّ لثمانٍ وهُنَّ: عائشةُ، وحفصةُ، وزينبُ بنتُ جحشٍ، وأمُّ سلمةَ، وصفيَّةُ، وأُمُّ حبيبةَ، وميمونةُ، وسودةُ، وجويريةُ، وأوَّلُ نِسائِه لُحوقًا بِهِ زينبُ بنتُ جحشٍ سنةَ عشرينَ، وآخِرُهنَّ موتًا أمُّ سلمةَ سَنةَ اثنتين وستين في خلافةِ يزيدَ، انتهى مِن كلامِ ابنِ القَيِّمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت