فهرس الكتاب
خُصوصًا خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلادِهِ، وأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاضَدَهُ عَلى أَمْرِهِ، وكَانَ لَهَا مِنْهُ المَنْزِلَةُ العَالِيَةُ. [1]
(1) قولُه: (خُصوصا) أي: ولا سِيَّما خديجةُ وعائشةُ، فلهُنَّ مِن المزايا والخصائصِ ما ليس لغيرِهِنَّ مِن أزواجِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، والخصوصُ: الإفرادُ، يُقالُ: خُصَّ فلانٌ بكذا، أي أُفْرِدَ بِهِ، ولا شَرِكةَ للغيرِ فيه، وقد تقدَّمَ ذِكْرُ بعضِ خصائِصهِنَّ -رضي اللَّهُ عنهن-.
قولُه: (أمُّ أكثرِ أولادِه) بل هي أُمُّ أولادِه كُلِّهم سِوى إبراهيمَ، فإنَّه مِن سَرِيَّتِه ماريةَ، ويُروى أنَّ عائشةَ أَتَتْ بسِقْطٍ ولم يَصِحَّ ذَلِكَ، والمتَّفَقُ عليه مِن أولادِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- منها: القاسمُ، وبِهِ كان يُكنى، ماتَ صغيرًا قَبلَ بِعثَتِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أو بعدَها، وبناتُه الأربعُ: زينبُ، ثم رُقَيَّةُ، ثم أُمُّ كُلثومٍ، ثم فَاطِمةُ، وعبدُ اللَّهِ وُلِدَ بَعدَ المَبْعَثِ، فكان يقالُ له: الطَّاهِرُ والطَّيِّبُ، وقيل: هما أَخوانِ له، وماتَ الذُّكورُ صِغارًا باتِّفاقٍ، انتهى مِن فتحِ الباري.
قولُه: (وأوَّلُ مَنْ آمَنَ به) أي: مِن النِّساءِ لا مُطْلَقًا كما تقدَّمَ كلامٌ لأبي حنيفةَ وغيرِه أنَّ أوَّلَ مَن آمَنَ مِن الرِّجالِ أبو بكٍر، ومِن الصِّبْيانِ عليٌّ، ومِن النِّساءِ خديجةُ ... إلخ، وقيل: إنَّها أَوَّلُ مَن آمَن بِهِ على الإطلاقِ، كما ذَكَرَهُ المصنِّفُ.
قولُه: (وعاضَدَه) أي: أَعانَه ونَصرَه، فإنَّ خديجةَ -رضي اللَّهُ عنها- عاضَدَتْهُ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في أَوَّلِ أَمْرِه، ونَصَرَتْهُ واحتَمَلَتْ مِن الأذى مالم يَحْتَمِلْه غيرُها، وكانت نُصْرَتُها للرَّسولِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في أعظمِ أوقاتِ الحاجَةِ.
قولُه: (وكان لها مِنه المنزلةُ العالِيَةُ) أي: الرَّفيعةُ؛ لأنَّها مِن أوَّلِ مَن آمَنَ بِهِ وعاضَدَه، وكانتْ له وَزيرَ صِدقٍ، وكانَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- يُحِبُّها كَثِيرًا ويَذْكُرُها، كما رَوى أحمدُ مِن حديثِ مسروقٍ عن عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلاَدَ النِّسَاءِ ) ).
وفي صحيحِ البخاريِّ عن عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- قالت: ما غِرتُ على امرأةٍ للنَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ما غِرْتُ على خديجةَ لِمَا كنتُ أسْمَعُه يَذْكُرُها، وأَمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبشِّرَها بقصرٍ من قصَبٍ، وإنْ كان لَيذْبَحُ الشَّاةَ فيُهدِي في خَلائِلِها منها ما يَسعُهُنَّ، فهَذَا الحديثُ وغيرُه دليلٌ على محبَّةِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- لها، وعلى عِظَمِ قَدْرِها عنده، ومَزيدِ فَضْلِها.
قولُه: (والصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيقِ ) أي: عائشةُ رضيَ اللهُ عنهَا, حبيبةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ, بنتُ الصدِّيقِ الأكبرِ, أبوها أبوبكرٍ الصديقُ لقَّبَهُ النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ بذلك، وأنزلَ اللهُ براءتَها من فوقِ سبعِ سماواتٍ، واتَّفقَت الأمَّةُ على كُفرِ قاذِفِها, وأفتى غيرُ واحدٍ بقتلِ سابِّها, رضيَ اللهُ عنها, وتقدَّمَ ذِكرُ خصَائِصِها.