فهرس الكتاب
والصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، الَّتي قَالَ فِيها النِّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلى سَائِرِ الطَّعَامِ ) ). [1]
(1) قولُه: (( فَضْلُ عائشةَ على النِّساءِ ... ) )إلخ: هَذَا الحديثُ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما، عن أبي مُوسى الأشعريِّ -رَضِيَ اللَّهُ عنه- قال: قال رَسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إِلا مَرْيَمُ بَنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ) )فهَذَا الحديثُ فيه دليلٌ على فضلِ عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها-، واستدلَّ بِهِ كثيرٌ مِن أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ عائشةَ أفضلُ نسائِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، وذَهبَ بعضُ العلماءِ كالموفَّقِ وابنِ حجَرٍ وغيرِهما إلى أنَّ خديجةَ -رضي اللَّهُ عنها- أفْضلُ من عائشةَ، لأدِلَّةٍ ذَكَروها، قالوا: والحديثُ المتقدِّمُ ليس صريحًا في تفضيلِ عائشةَ على خديجةَ -رضي اللَّهُ عنهما-، والذي يُفهَمُ مِن كلامِ المصنِّفِ توقُّفُه عن التَّفضيلِ، لتَقارُبِ جِهاتِ التَّفضيلِ بينهنَّ، وقال في موضعٍ آخَرَ: اختُصَّتْ كُلُّ واحدةٍ منهنَّ بخصائِصَ، فخديجةُ كان تأثيرُها في أوَّلِ الإسلامِ، وبَذَلَتْ نَفْسَها في نُصرةِ الرَّسولِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ومالَها، واحتَمَلَتْ مِن الأذى ما لم يَحْتمِلْه غيرُها، وكانت نُصرَتُها للرَّسولِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في أعظمِ أوقاتِ الحاجَةِ، فلها مِن النُّصرةِ والبذْلِ والتأثيرِ في الإسلامِ ما ليس لغيرِها، وعائشةُ -رضي اللَّهُ عنها- تأثيرُها في آخِرِ الإسلامِ، فَلَها مِن الفِقهِ والعِلمِ ما ليس لغَيرِها. اهـ.
قولُه: (كفَضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطعامِ) الثَّريدُ هُوَ الخبزُ إذا أُدِمَ بلحْمٍ كما قال الشَّاعرُ:
إذا ما الخبزُ تَأْدِمُه بلحمٍ ... ... فذاكَ أمانةُ اللَّهِ الثَّريدُ
قولُه: (على سائرِ الطَّعامِ) أي: جميعِه، انتهى، والثَّريدُ هُوَ أفضلُ الأطعمةِ؛ لأنَّه خبزٌ ولحمٌ، والبُرُّ أفضلُ الأقواتِ، واللَّحمُ أفضلُ الإدامِ، كما في الحديثِ الذي رواه ابنُ قتيبةَ وغيرُه عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( سَيِّدُ إِدَامِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ ) )فإذا كان اللَّحمُ سيِّدَ الإدامِ والبُرُّ سَيِّدَ الأقواتِ ومجموعُها الثَّريدُ؛ كان الثَّريدُ أفضلَ الطَّعامِ، وقد صَحَّ مِن غيرِ وجهٍ عن الصَّادِقِ المصدوقِ أنَّه قال: (( فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ) ). وفي الصَّحيحِ عن عمرِو بنِ العاصِ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النِّساءِ أحبُّ إليكَ؟ قال: (( عائشةُ ) )، قلت: ومِن الرِّجالِ؟ قَالَ:
(( أَبُوهَا ) )، قلتُ: ثم مَنْ؟ قال: (( عُمرُ ) )، وَسَمَّى رِجالًا، انتهى منهاجٌ.