الصفحة 196 من 233

وطَريقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذينَ يُؤذُونَ أَهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ [ أَوْ ] عَمَلٍ. [1]

(1) قولُه: (وطريقةُ النَّواصِبِ) جمعُ ناصبٍ، يقالُ: نَاصَبَه مناصَبةً، أي عاداه وقاوَمَه، وهم الذين يَنْصبُونَ العداوةَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ وأهلِ البيتِ ويَتبرَّءون منهم ولا يُحبِّونَهم، بل يكفِّرونَهم أو يُفسِّقونهم كالخوارجِ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ بعدَ كلامٍ: فأهلُ السُّنَّةِ وسطٌ في جميعِ أُمورِهم، فهم في عليٍّ وسَطٌ بين الخوارجِ والرَّوافضِ، وفي عُثمانَ وَسَطٌ بين المَرْوانيَّةِ والزَّيدِيَّةِ، وفي سائرِ الصَّحابةِ بين الغُلاةِ فيهم والطَّاعِنينَ عليهم، وقال أيضًا: والرَّوافِضُ شرٌّ مِن النَّواصِبِ، وأمَّا أهلُ السُّنَّةِ فيتولَّوْن جميعَ المؤمنينَ، ويتكلَّمون فيهم بعِلمٍ وعَدلٍ، ليسوا مِن أهلِ الجهلِ ولا مِن أهلِ الأهواءِ، ويَتبرَّءُون مِن طريقةِ الرَّوافِضِ والنَّواصِبِ جميعا، ويتولَّون السَّابِقينَ الأوَّلين كُلَّهم، ويعرِفون قدْرَ الصَّحابةِ وفضْلَهم ومناقِبَهم، ويَرْعَوْن حقوقَ أهلِ البيتِ التي شَرعها اللَّهُ لهم، ولا يَرضونَ بما فعَلَه المختارُ ونحوه مِن الكذَّابِينَ، ولا ما فَعَلَه الحجَّاجُ ونحوُه مِن الظَّالِمينَ، ويعلمون مِن هَذَا مِراتبَ السَّابِقينَ الأوَّلين، ويعرِفون ما لأبي بكرٍ وعمرَ مِن التَّقدُّمِ والفضائلِ ما لم يُشارِكْهما فيها أحدٌ مِن الصَّحابةِ، لا عثمانُ ولا عليٌّ ولا غيرُهما، كان هَذَا متَّفقًا عليه في الصَّدرِ الأوَّلِ، إلاَّ أنْ يكونَ خلافٌ شاذٌّ لا يُعبأُ بِهِ، حتى إَنَّ الشِّيعةَ الأولى مِن أصحابِ عليٍّ لم يكونوا يَرتابون في تقديمِ أبي بكرٍ وعمرَ، كَيْفَ وقد ثَبَتَ عنه مِن وجوهٍ متواترةٍ أنَّه كان يقول: خيرُ هَذِهِ الأمَّةِ بعدَ نبِيِّها أبو بكرٍ وعمرُ انتهى، ومِن كَذِبِ الرَّافِضةِ وضَلالِهم تسمِيتُهم أهلَ السُّنَّةِ ناصبةً حَيْثُ لم يُوافِقوهم على بِدْعتِهم وظُلمِهم، فإنَّ الرَّافِضةَ يزعمون أنَّ مَن تولَّى الصَّحابةَ لم يتولَّ القَرابةَ، ويقولون: لا ولاءَ إلا ببراءٍ، فمَن لم يتبرَّأْ مِن الصَّحابةِ لم يتولَّ القرابةَ، ويُقابِلُهم الخوارجُ وأشباهُهم مِن النَّواصبِ الذين يزعمون أَنَّ الرَّفضَ هُوَ محبَّةُ أهلِ البيتِ، ويذُمُّون الرَّفضَ بهَذَا المعنى، وهَذَا كُلُّه كَذِبٌ وضَلالٌ، فلا دليلَ على ذمِّ النَّصْبِ بالتَّفسيرِ الذي زَعَمه الرَّافِضةُ، كما لا دليلَ على ذمِّ الرَّفضِ بمعنى موالاةِ أهلِ البيتِ، ولكنَّ المبتَدِعةَ يُلقِّبونَ أهلَ السُّنَّةِ بألقابٍ يَتَنقَّصون بها، فيُسمُّونهم رافضةً وناصِبةً، فهم كما قيل: (( رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتِ ) )وقد تقدَّمَ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ رضوانُ اللَّهِ عليهم يُوالُون جميعَ الصَّحابةِ والقَرابةِ، ويَترضَّوْن عنهم، ويُنْزِلُونهم منازِلهم التي يستحِقُّونها، فلا يَغْمطُونَهُم حَقَّهم، ولا يُغلونَ فيهم، وقد قال الإمامُ الشَّافِعيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- على النَّاصِبةِ:

يا راكِبًا قِفْ بالمحصِّبِ مِن مِنًى ... ... واهْتِفْ بقاعدِ خَيْفِها والنَّاهِضِ

إنْ كان رَفْضا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... ... فليَشْهدِ الثَّقلانِ أنِّيَ رافِضي

وقال غيره:

إنْ كان نَصْبا حُبُّ صَحْبِ مُحَمَّدٍ ... ... فَليشْهَد الثَّقلانِ أنِّيَ ناصِبي

وقال غيره:

إنْ كان نَصْبٌ وَلاءَ الصِّحابِ ... ... فإنِّي كما زَعَموا ناصِبي

وإنْ كان رَفْضا وَلاءُ الجميعِ ... ... فلا بَرَحَ الرَّفضُ مِن جانِبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت