فهرس الكتاب
ويُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحابَةِ، [1]
(1) قولُه: (ويُمْسِكون عمَّا شَجَرَ بين الصَّحابةِ) أي: يَقِفون عن الخَوْضِ عمَّا وَقَع بين الصَّحابةِ مِن اختلافٍ ومنازَعةٍ، مِثلُ ما وقع بين عليٍّ ومعاويةَ، وما وقع بين طلحةَ والزُّبيرِ وعليٍّ وغيرِ ذَلِكَ.
قولُه: (شَجَرَ) أي: اضْطَرَب، واختلَفَ الأمرُ بينهم، واشْتَجَرَ القومُ وتَشاجَرُوا: تَنازَعوا، والمُشاجرةُ المنازَعةُ، فمذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الكَفُّ عمَّا جرى بين أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، والإمساكُ عمَّا شَجَرَ بينهم، لما في الخَوْضِ في ذَلِكَ مِن توليدِ الإِحَنِ والحزازاتِ والحِقدِ علي أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، وَذَلِكَ مِن أعظمِ الذُّنوبِ، فإنَّهم خيرُ القُرونِ والسَّابقونَ الأوَّلونَ، فتجِبُ محبَّتُهم جميعًا والتَّرضِّي عنهم، والكَفُّ عمَّا جرى بينهم ممَّا لَعلَّه لم يَصِحَّ، وما صَحَّ فله تأويلاتٌ سائغةٌ، ثم هُوَ قليلٌ مغمورٌ في جانبِ فضائِلِهم.
قال ابنُ حمدانَ مِن أصحابِنا في نهايةِ المبتدئِين: يَجِبُ حبُّ كُلِّ الصَّحابةِ والكَفُّ عمَّا جرى بينهم كتابةً وقراءةً وإقراءً وسَماعًا وإِسْماعا، ويَجِبُ ذِكْرُ محاسِنِهم، والتَّرضِّي عنهم، والمحبَّةُ لهم، وتَرْكُ التَّحامُلِ عليهم، واعتقادُ العُذْرِ لهم، وأنَّهم فَعلَوا ما فَعلَوا باجتهادٍ سائغٍ لا يُوجِبُ كُفرًا ولا فِسْقًا، بل ربَّما يُثابُون عليه لأنَّه اجتهادٌ سائغٌ. انتهى.
وأمَّا الحروبُ التي كانت بينهم فكانتْ لكُلِّ طائفةٍ شُبهةٌ اعتقدَتْ تَصويبَ أنْفُسِها بِسَببِها، وكُلُّهم عدولٌ ومتأوِّلُون في حُروبِهم وغيرِها، ولم يُخْرِجْ شيءٌ مِن ذَلِكَ أحدًا منهم عن العَدالةِ؛ لأنَّهم مجتهِدُونَ اختلَفُوا في مسائلَ مِن مَحَلِّ الاجتهادِ كما يَخْتلِفُ المجتهِدُونَ، ولا يلزَمُ مِن ذَلِكَ نَقصُ أحدٍ منهم، بل يَجِبُ التَّرضِّي عنهم واعتقادُ عَدالَتِهم، وأنَّ ما وقعَ منهم هم فيه مَعذُورون ومأْجُورون، وأمَّا معاويةُ -رضي اللَّهُ عنه- فهُوَ مِن العُدولِ الفُضلاءِ، وهُوَ مجتهِدٌ مخطِئٌ، والحقُّ في جانبِ عليٍّ، وعليٌّ هُوَ الخليفةُ في وَقْتِه بالإجماعِ لا خِلافةَ لغيرِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذَلِكَ، والنَّاسُ انْقَسَمُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
قِسمٌ: رأى الحقَّ مع أحدِ الطَّرَفَيْنِ، فوجبَ عليه اتِّباعُه بُموجِبِ اعتقادِه والقتالُ معه، وقِسمٌ: توقَّفَ ولم يَظْهَرْ له شيءٌ فاعْتزلَ، وهَذَا هُوَ الواجِبُ عليه، وكُلُّهم مَعذورون ومَأجورون، رضوانُ اللَّهِ عليهم أجمعينَ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في المنهاجِ: وأمَّا الصَّحابةُ فجُمهورُهم وجمهورُ أفاضِلِهم لم يَدْخُلوا في فتنةٍ، ثم ساقَ عن ابنِ سيرينَ قال: هَاجَت الفِتنةُ وأصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- عَشْرةُ آلافٍ، فما حَضَرَها منهم مائةٌ، بل لم يَبْلُغوا ثلاثين، وهَذَا أصحُّ إسنادٍ على وجْهِ الأرضِ، وساق كَلامًا طويلًا يَدُلُّ على أنَّ أكثرَ الصَّحابةِ اعْتَزَلَ الفَرِيقَيْنِ، إذا عرَفْتَ ما تقدَّمَ عَلمْتَ أنَّ طريقَ السَّلامةِ هُوَ الكفُّ عمَّا شَجرَ بينهم، والتَّرضِّي عن الجميعِ، ونقولُ كما قال اللَّهُ تعالى عن التَّابِعينَ بإحسانٍ: إنهم يقولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) وما شَجَرَ بينهم وتَنازَعوا فيه أمْرُه إلى اللَّهِ لا تَسألْ عن ذَلِكَ، قال تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وما أحسَنَ ما روى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّه قال: لمَّا سُئِلَ عمَّا وقع بين الصَّحابةِ: تِلْكَ دماءٌ طَهَّرَ اللَّهُ مِنها يَدِي فلا أُحِبُّ أنْ أُخَضِّبَ بها لِساني.