فهرس الكتاب
ويَقُولونَ: إِنَّ هذه الآثارَ المَرْويَّةَ في مَساويِهْم مِنْها مَا هُو كَذِبٌ، ومِنْها مَا قَدْ زِيْدِ فيهِ ونُقِصَ وغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، والصَّحِيْحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورونَ: إِمَّا مُجتَهِدُونَ مُصِيْبُونَ، وإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئونَ. [1]
(1) قولُه: (ويقولونَ إنَّ هَذِهِ الآثارَ المَرْوِيَّةَ) إلخ أي: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ متَّفِقون على محبَّةِ الصَّحابةِ والتَّرضِّي عنهم؛ وأنَّهم خيرُ الأمَّةِ بعد نَبيِّهم لِما تَواتَرَ مِن الأدِلَّةِ في فَضْلِهم، ولِما اشْتُهِرَ عنهم مِن الأعمالِ الفَاضِلَةِ ومُسابَقَتِهم إلى طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ رسولِه، وبَذْلِ نُفُوسِهم وأموالِهم في سبيلِ اللَّهِ، كما أنَّهم متَّفِقون على أَنَّ الصَّحابةَ كُلَّهم عُدولٌ ثِقاتٌ لا يُفتَّشُ عن عدالةِ أحدٍ منهم، فلا يُتْرَكُ هَذَا العلمُ المتيقَّنُ المتحقِّقُ الثَّابِتُ لِمَشْكوكٍ فيه، بل مقطوعٍ بكَذِبِه، فما يُرْوى في حقِّهم مِن المثالِبِ إمَّا أنْ يكونَ كَذِبا محْضًا، وإمَّا أنْ يكونَ مُحرَّفًا قد دَخلَه مِن الزِّيادةِ والنُّقصانِ ما يُخْرِجُه إلى الذَّمِّ والطَّعنِ، والصَّحيحُ مِن ذَلِكَ هُوَ مِن مواردِ الاجتهادِ التي إنْ أصابَ المجتهِدُ فله أَجْرانِ، وإنْ أخطأَ فله أَجْرٌ واحِدٌ، كما في"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ أبي هريرةَ وعمرِو بنِ العاصِ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ ) )فما وَقَع منهم -رضي اللَّهُ عنهم- إنْ ثَبَتَ فهُوَ عَن اجتهادٍ، فَهُم مَعذورون ومأجورون على كِلا الحالَيْنِ، ولهَذَا اتَّفقَ أهلُ الحقِّ ممَّن يُعتَدُّ بِهِ في الإجماعِ على قَبولِ شهادَتِهم ورِوايَتِهم وثبوتِ عدالَتِهم، وأنَّه يَجِبُ تَزكِيةُ جَمِيعِهم، ويَحْرُمُ الطَّعنُ فيهم، ويَجِبُ اعتقادُ أنَّهم أَفْضَلُ جميعِ الأمَّةِ بعدَ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال أبو زُرعةَ: إذا رأيتَ الرَّجُلَ يَنتقِصُ أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فاعلم أنَّه زِنديقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ القرآنَ حقٌّ والرسولُ حقٌّ، وما جاء بِهِ حقٌّ، وما أدى ذَلِكَ النَّبأَ كُلَّه إلاَّ الصَّحابةُ، فمَن جَرحَهم فإنَّما أراد إبطالَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. اهـ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في المنهاجِ بعد كلامٍ: ما يُنقَلُ عن الصَّحابةِ مِن المثالبِ فهُوَ نوعانِ: أحدُهما: ما هُوَ كَذِبٌ كُلُّه، وإمَّا محرَّفٌ قد دخَلَه مِن الزِّيادةِ والنُّقصانِ ما يُخرِجُه إلى الذَّمِّ والطَعْنِ، وأكثرُ المنقولِ مِن المطاعِنِ الصَّريحةِ هُوَ من هَذَا البابِ، يَرويها الكَذَّابونَ المَعرُوفون بالكَذِبِ، مِثلُ أبي مِخْنَفٍ لوطُ بنُ يحيى، ومِثلُ هِشامِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السَّائبِ الكَلْبِيِّ، وأمثالُهما مِن الكذَّابينَ، والنَّوعُ الثَّاني: ما هُوَ صِدقٌ، وأكثرُ هَذِهِ الأمورِ لهم فيها معاذِيرُ تُخرِجُها مِن أنْ تكونَ ذُنوبًا، وتَجعلُها مِن مواردِ الاجتهادِ التي إنْ أصابَ المجتهِدُ فيها فَلَه أجْرانِ، وإنْ أخطأَ فله أجرٌ واحدٌ، وعامَّةُ المنقولِ الثَّابتِ عن الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِن هَذَا البابِ، وما قُدِّرَ مِن هَذِهِ الأمورِ ذَنبًا محقَّقًا، فإنَّ ذَلِكَ لا يَقدَحُ فيما عُلِمَ مِن فضائلِهم وسوابِقهم، وكونِهم أهلَ الجَنَّةِ؛ لأَنَّ الذَّنْبَ المحقَّقَ يرتفعُ عقابُه في الآخرةِ بأسبابٍ متعدِّدةٍ، منها: التَّوبةُ والحسناتُ الماحيةُ، ومنها المصائبُ المكفِّرةُ، ومنها دُعاءُ المؤمنين بعضِهم لبعضٍ، وشفاعةُ نبِيِّهم، فما مِن سببٍ يسَقُطُ بِهِ الذَّمُّ والعقابُ عن أحدٍ مِن الأمَّةِ إلاَّ والصَّحابةُ أحقُّ بِذَلِكَ، فهم أحقُّ بكُلِّ مدْحٍ، ونَفْيِّ كُلِّ ذَمٍّ ممَّن بعدهم مِن الأمَّة.