فهرس الكتاب
وهُمْ مَعَ ذلكَ لا يَعْتَقِدونَ أَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ مَعْصومٌ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ في الجُمْلَةِ. [1]
(1) قولُه: (مَعصومٌ) مِن العِصْمَةِ وهي: الحمايةُ والحِفظُ. قولُه: (بل يَجوزُ) أي: يُمْكِنُ، أي أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يعرِفون قَدْرَ أصحابِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وقَرابَتِه، فيُنْزِلُونَهم مَنازِلَهم، كما وَردَ في الحديثِ: (( وَنَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ) )فلا يَغلُون فيهم بحَيْثُ يَرْفَعُونَهم عن مَنْزِلَتِهم التي أَنْزَلَهُم اللَّهُ بها، فلا يَعتقدُونَ أنَّهم مَعصومُون عَن الذُّنوبِ والخطايا، بل يَجوزُ عليهم ما يَجوزُ على غيرِهم مِن الذُّنوبِ والخطايا، وفي الحديثِ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) وفي حديثِ أبي ذرٍّ: (( إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ) )وقالَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولم يَقُلْ أحدٌ يُعتدُّ بِهِ: إنَّ الصَّحابةَ -رضي اللَّهُ عنهم- أو غيرُهم مِن الأولياءِ أو القَرابةِ مَعصومٌ مِن كبائرِ الذُّنوبِ أو مِن الصَّغائِرِ، بل يجوزُ عليه وُقوعُ الذَّنْبِ، واللَّهُ يَغْفِرُ لهم، وقِصَّةُ حاطِبٍ في الصَّحيحِ، فقد غَفَرَ له الذَّنْبَ العظيمَ بِشُهودِه بَدْرا. اهـ.
فأهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ لا يَرَوْنَ عصمةَ أحدٍ لا مِن الصَّحابةِ ولا مِن القرابةِ، ولا يُؤَثِّمُونهم باجتهادِهم، بخلافِ أهلِ البِدَعِ الذين غَلَوْا مِن الجانِبَيْنِ: طائفةٌ عَصَّمَتْهم وطائفةٌ أَثَّمَتْهُم. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: ولم يَقُلْ أَحدٌ مِن الأئمَّة إلاَّ الإماميَّةُ والإسماعيليَّةُ. وقولُ بعضِهم: إنَّ النَّبيَّ معصومٌ، والوَلِيَّ محفوظٌ، إنْ أرادَ بالحِفظِ ما يُشْبِهُ العِصمةَ فباطِلٌ. انتهى.
أمَّا الأنبياءُ عليهم السَّلامُ فاتَّفَقَ العلماءُ على أنَّهم مَعصومُون في تبليغِ الرِّسالةِ، لا يَجوزُ أنْ يَستقِرَّ في ذَلِكَ شيءٌ مِن الخطأِ، وَكَذَلِكَ معصومونَ مِن الكبائرِ، أمَّا الصَّغائرُ فقد تَقَعُ منهم ولكنْ لا يُقِرُّونَ عليها، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بعد كلامٍ: فالعلماءُ متَّفِقونَ على أنَّهم لا يُقِرُّون على خطأٍ في الدِّين أَصٍلا، ولا على فِسْقٍ أو كذبٍ في الجملةِ، كُلُّ ما يَقدَحُ في نُبُوَّتِهم وتَبْلِيغِهم عن اللَّهِ فَهُم متَّفِقون على تَنْزِيهِهم عنه، وعامَّةُ الجمهورِ الذين يُجَوِّزُون عليهم الصَّغائرَ يقولون: إنَّهم مَعصومُون مِن الإقرارِ عليها، فلا يَصْدُرُ منهم ما يَضرُّهُم، كما جاء في الأثرِ: كان دَاودُ بعدَ التَّوبةِ خيرًا منه قبلَ الخطيئةِ، واللَّهُ -سُبْحَانَهُ- يُحِبُّ التَّوابِينَ، ويُحِبُّ المتطَهِّرين، وإنَّ العبدَ يفعلُ السِّيِّئَةَ يَدخُلُ بها الجَنَّةَ، وأمَّا النِّسيانُ والسَّهْوُ في الصَّلاةِ فذَلِكَ واقِعٌ منهم، وفي وقوعِه حِكمةُ اسْتِنانِ المسلِمِينَ بهم، كما رُوِيَ في موطأِ مالِكٍ: إِنَّمَا أَنْسَى أَوْ أُنْسَى لأَسُنَّ. اهـ.