الصفحة 200 من 233

ولَهُمْ مِنَ السَّوابِقِ والفَضائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ - إِنْ صَدَرَ -، [ حَتَّى إِنَّهُمْ ] يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئاتِ مَا لاَ يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لأنَّ لَهُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ الَّتي تَمْحُو السَّيِّئاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. [1]

(1) قولُه: (ولهم مِن السَّوابِقِ والفضائِلِ) إلخ أي: حَدَثَ، فما يَقعُ منهم -رضي اللَّهُ عنهم- يُغْتَفَرُ في جانِبِ ما لهم مِن الحسناتِ العظيمةِ، كما في قِصَّةِ حاطبٍ: فقد غُفِرَ له الذَّنْبُ العظيمُ بِشُهودِه بدرًا (وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) . وفي جامعِ الترمذيِّ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال لَمَّا جاءَهُ عثمانُ لِتَجْهيزِ جَيشِ العُسْرَةِ: (( مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ ) )مَرَّتَيْنِ، رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ، وروى أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ عن جابرٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) )، وأَخْرَجَ أحمدُ بِسَندٍ رجالُه ثِقاتٌ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال لأهلِ الحديبيةِ: (( لاَ يُدْرِكَنَّ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلاَ مُدَّكُمْ ) ).

قولُه: (حتى إنَّهم يُغفَرُ لهم مِن السَّيِّئاتِ) إلخ: وَذَلِكَ لما لهم مِن الفَضائِلِ والسَّوابقِ والوَعْدِ بالمغفرةِ، قال تعالى: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) فلأصحابِ رسولِ اللَّهِ من الحسناتِ والأسبابِ التي تَمْحُو السَّيِّئاتِ أعظمُ نَصيبٍ، قال: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ) والحبيبُ يسامِحُ بما لا يُسامِحُ بِهِ غيرُه؛ لأَنَّ المحبَّةَ أكبرُ شُفعائِه كما قِيلَ:

وإذا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ واحدٍ ... ... جاءتْ محاسِنُه بألْفِ شَفيعِ

فلِمَقامَاِتهم العظيمةِ وجهادِهم في اللَّهِ أعداءَه حقَّ الجهادِ يُحتمَلُ لهم ما لا يُحتَمَلُ لغيرِهم، وذَكَر ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في المدارجِ في أثناءِ كلامٍ له: أِنَّه يُعفَى للمحِبِّ ولِصاحِبِ الإحسانِ العظيمِ ما لا يُعْفَى لغيرِه، ويُسامَحُ بما لا يُسامَحُ بِهِ غيرُه، قال: وقد استدلَّ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين -رَحِمَهُ اللَّهُ- على ذَلِكَ بقصَّةِ سليمانَ حين أَلْهَتْهُ الخيلُ عن صلاةِ العصرِ، فأَتْلَفَها فعوَّضَه اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- الرِّيحَ، وَكَذَلِكَ لَطَم مُوسى عَيْنَ مَلَكِ الموتِ فَفَقأَها ولم يَعْتَبْ عليه رَبُّه، وفي ليلةِ الإسراءِ عاتَبَ رَبَّهِ في النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه رُفِعَ فوقَه، ولم يُعاتِبْهُ اللَّهُ على ذَلِكَ، لِما له مِن المقاماتِ العظيمةِ. وكان شديدَ الغضبِ لرَبِّه، فاحتَمَلَ له مالم يَحتَمِلْه لغيرِه، وذو النُّونِ لمَّا لم يكُنْ له هَذَا المقامَ سَجَنَهُ في بطنِ الحوتِ مِن أجلِ غَضَبِه (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) انتهى بتصرُّفٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت