الصفحة 51 من 233

قوله: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ ) . [1]

(1) قولُه سُبْحَانَهُ: (كَتَبَ رَبُّكمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) : أي أَوْجَبَهَا على نفسِه الكريمةِ، تَفَضُّلًا منه وإحسانًا، كما في الصَّحيحين من حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي ) )، الحديثَ، فالكتابُ المذكورُ في الآيةِ هو الإِيجَابُ على نفسِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وكذلك ما وردَ في الحديثِ: (( وَحَقُّ العِبَادِ عَلى اللهِ ) )تَفَضُّلٌ منه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وإحسانٌ، وإلا فليسَ للعبادِ حقٌّ واجبٌ كحقِّ المخلوقِ على المخلوقِ، كما تَزْعمُهُ المعتزلةُ، فإنَّ المعتزلةَ تَزْعُمُ: أنَّه واجبٌ عليه بالقياسِ على المخلوقِ، والأدلَّةُ تَرُدُّ قولَهم عليهم، وتُبْطِلُ قولَهم، وتدلُّ على ما عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، وهو أنَّ العبدَ لا يَسْتَوْجِبُ على اللهِ بِسَعْيِهِ نَجَاةً، ولا فَلاحًا، ولا يَدْخُلُ أحدٌ الجنَّةَ بعملِه ويقولون: إنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- هو الَّذي كتبَ على نفسِه الرَّحمةَ، وأوجبَ الحقَّ، لم يوجبْه عليه مخلوقٌ، خلافًا للمعتزلةِ قال بعضُهم:

مَا لِلْعِبَادِ حَقٌّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ كَلاَّ وَلاَ سَعْىٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ

إن عُذِّبُوا فَبِعْدَلِهِ أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرَيمُ الوَاسِعُ

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمه اللهُ تعالى: كونُ المُطيعِ يَسْتحقُّ الجزاءَ هو استحقاقُ إِنْعامٍ وفضلٍ، وليس هو استحقاقُ مُقَابَلَةٍ كما يستحقُّ المخلوقُ على المخلوقِ. انتهى.

وهذا كما في حديثِ: (( لَوْ عَذَّبَ اللهُ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيرًا لَهُمْ ) )، والحديثِ المتقدِّمِ: (( لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدْخُلُ الجنَّةَ ) )الحديثَ، وهذا الحديثُ لا يُنافِي قولَه: (جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فإنَّ الرَّسولَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- نَفى باءَ المُقَابَلَةِ والمُعَادَلةِ، والقرآنُ أثبتَ باءَ التَّسَبُّبِ، فَالْمَنْفِيُّ: اسْتَحَقَاقُهَا بِمُجَرَّدِ الأعمالِ وكونِ الأعمالِ ثَمنًا وعِوَضًا لها كما تَزْعُمُهُ المعتزلةُ، والمُثْبَتُ كونُها سببًا لدخولِ الجنَّةِ بتوفيقِه وهُداهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت