فهرس الكتاب
( فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) . [1]
(1) وقولُه: (وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، وقولُه: (فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) : أي أنَّ حِفظَه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- خيرٌ من حِفظِكُم، فمَن تَوَكَّلَ عليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وفَوَّضَ أمورَه إليه كَفَاهُ، وَوَقَاه، وحفِظَه وحَمَاهُ، فلا سبيلَ لأحدٍ عليه ولا قدرةَ لأحدٍ أنْ يصلَ إليه بما يُؤْذِيه.
ومِن أسمائِه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- الحفيظُ وهو نوعانِ: أحدُهما: حِفْظُه علىعبادِه جميعَ ما عَمِلُوا من خيرٍ وشرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ. والثَّاني: أنَّه الحافظُ لعبادهِ من جميعِ ما يَكرهونَ، وهذا نوعانِ: أحدُهما: عامٌّ. والثَّاني: خاصٌّ.
فالأوَّلُ: حِفظُه لجميعِ المخلوقاتِ بِتَيْسِيرِ ما يَقِيتُها ونحوِ ذلك.
الثَّاني: حِفظٌ خاصٌّ، وهو حفظُه لأوليائِه سِوى ما تقدَّمَ عمَّا يُزَلْزِلُ إيمانَهم، ويُضعفُ يَقِينَهُمْ, وحِفْظُهم عمَّا يَضُرُّهم في دينِهِم ودُنياهم. انتهى. مِن كلامِ ابنِ رجبٍ.
أفادتْ هذه الآيةُ كغيرِها إثباتَ صفةِ الرَّحمةِ، وأنَّها أكملُ رحمةً، وأنَّها حقيقةٌ لا مجازٌ، وهذا عكسُ ما عليه الجهميَّةُ وأَضْرَابُهُمْ الَّذين نَفَوا رحمتَه -سُبْحَانَهُ-، وزعمُوا أنَّها مجازٌ، وأنَّ رحمةَ المخلوقِ حقيقةٌ، ولا شكَّ أنَّ هذا مِن أعظمِ الإلحادِ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه، فإنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- أثبتَ لنفسِه هذه الصِّفاتِ ووصفَ نفسَهُ بها، كما وَصَف بعضَ خلقِه بهذهِ الصِّفاتِ، ولكن ليستْ رحمتُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كرحمةِ المخلوقِ، ولا سمعِه، ولا بصرِه، فإنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ليسَ كمثلِه شيءٌ، فاتِّفَاقُ الاسْمَيْنِ لا يَقْضِي بِاتِّحَادِ المُسَمَّى، فإنَّه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- وَصَفَ نفسَه بهذه الصِّفاتِ وَوَصَفَ به بعضَ خلقهِ فأثبتَ -سُبْحَانَهُ- الاسمَ ونفى المُمَاثلةَ، فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) .
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: وفي هذا أَظْهَرُ دليلٍ على أنَّ أسماءَ الرَّبِّ مُشتقَّةٌ من أوصافٍ ومعانٍ قَامَتْ به، وأنَّ كلَّ اسمٍ يناسبُ ما ذُكِرَ معه واقتَرنَ به من فعلِهِ وأمرِهِ. انتهى.
فهذه الآياتُ أفادتْ إثباتَ صفةِ الرَّحمةِ، وأنَّها حقيقةٌ لا مجازٌ، كما أفادتْ أنَّ الرَّحمةَ المضافةَ إليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- تنقسِمُ إلى قِسمين: قسمٍ يُضافُ إليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وكما في الحديثِ: (( بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ) ). والثَّاني: يُضافُ إليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من بابِ إضافةِ المخلوقِ إلى خالقِهِ، وهي الرَّحمةُ الْمَخْلُوقَةُ كما في الحديثِ (( إِنَّ اللهَ خَلَقَ مائَةَ رَحْمَةٍ ) )والحديثُ الآخرُ أنَّه قالَ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- للجنَّةِ (( أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ) ).