الصفحة 53 من 233

وقَولُه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) . [1]

(1) قولُه: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) لمَّا ذَكر أعمالَهم الصَّالحةَ ذَكر أنَّه أَثَابَهُمْ عليها رِضَاهُ الَّذي هو أعظمُ وأَجَلُّ من كلِّ نعيمٍ، قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) .

أفادتْ هذه الآيةُ إثباتَ صفةِ الرِّضا للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما يليقُ بجلالِه، ولا يقالُ: الرِّضا إرادةُ الإحسان,ِ والغضبُ إرادةُ الانتقامِ، كما تَزْعمُهُ المبتدِعةُ، فإنَّ هذا نفيٌ للصِّفةِ وصَرْفٌ للقرآنِ عن ظاهرِه وحقيقتِه بغيرِ مُوجبٍ، وهذا لا يجوزُ.

وفي هذِه الآيةِ دليلٌ على إثباتِ أفعالِ اللهِ الاختياريَّةِ وأدلَّةُ ذلك من الكتابِ والسُّنَّةِ لا تُحْصرُ، وفيها دليلٌ على إثباتِ فعلِ العبدِ وأنَّ له فعلًا اختياريًّا.

وفيها دليلٌ على أنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، وفيها فضلُ الرِّضا عن اللهِ، والرِّضا لغةً: ضدُّ السَّخطِ والكراهةِ، وقال بعضُهُم: هو سُكونُ القلبِ تحتَ مَجَاري الأحْكَامِ، قال في (( فَتْحِ المَجِيِدِ ) ): هو أن يُسْلِمَ العبدُ أمرَه إلى اللهِ ويُحْسِنَ الظَّنَّ به ويَرْضى عنه في ثوابِه.

قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: الرِّضا ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الرِّضا باللهِ، والرِّضا عن اللهِ، والرِّضا بقضاءِ اللهِ، فالرِّضا باللهِ فرضٌ، والرِّضا عنه وإنْ كان من أَجَلِّ الأمورِ وأَشْرَفِهَا فلم يُطَالَبْ به العُمومُ لِعَجْزِهِم عنه ومَشقَّتِه عليهم، وأوجَبَهُ بعضُهم، وأمَّا الرِّضا بِكلِّ مقضيٍّ فلا يجبُ، بل المقضيُّ ينقسمُ إلى ما يجبُ الرِّضا به، وهو المَقْضِيُّ الدِّينيُّ، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم) الآيةَ، ومَقضيٌّ كَوْنيٌّ قَدَرِيٌّ، فإنْ كان فَقرًا أو مَرضًا ونحوَ ذلك اسْتُحِبَّ الرِّضا به ولم يجبْ، وَأوجبَه بعضُهم، وإنْ كان كُفرًا أو معصيةً حُرِّمَ الرِّضا به مخالفةً لربِّه، فإنَّه -سُبْحَانَهُ- لا يَرضى بذلك ولا يُحبُّهُ، قال تعالى: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) الآيةَ، وأمَّا القضاءُ الَّذي هو صفةُ اللهِ وفعلُه فالرِّضا به واجبٌ. انتهى بتصرُّفٍ.

وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ في (( تَائِيَّتِهِ ) ):

فَنَرْضَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذي هُوَ فِعْلُهُ وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابٍ بِحِيلَتِي

وقال السَّفارينيُّ في (( الدُّرَّةِ المُضِيئَةِ ) ):

وَلَيْسَ واجِبًا عَلَى الْعَبْدِ الرِّضا بِكُلِّ مَقْضِيٍّ وَلَكِنْ بِالْقَضَاءِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت