فهرس الكتاب
وقولُه سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) . [1]
(1) قولُه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنًا) : احْتَرَزَ بذلك عن قتلِ الكافرِ (مُتَعَمِّدًا) العَمْدُ لغةً: القَصْدُ. وشرعًا: أن يَقصدَ مَن يعلمُه آدميًّا مَعْصُوما فيقتُلَه بما يغلبُ على الظَّنِّ موتُه به، واحْتَرَزَ بقولِه متعمِّدًا عن قتلِ الخطأِ.
وقولُه: (فَجَزاؤُهُ) : أي عِقابُه. قولُه: (جَهَنَّمُ) : عَلمٌ على طَبَقَةٍ من طبقاتِ النَّارِ.
قولُه: (خَالِدًا فِيْها) : أي مُقيمًا، والخلودُ: هو المُكْثُ الطَّويلُ، قولُه: (وَلَعَنَهُ) أي طردَهُ عن رحمتِه، فاللعنُ هو الطَّردُ والإبعادُ عن رحمةِ اللهِ.
قولُه: (وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) : أي هَيَّأَ له ذلكَ لعظيمِ ذنبِه.
في هذه الآيةِ الوعيدُ الشَّديدُ لمنْ تَعاطى هذا الذَّنبَ العظيمَ، ويُروى عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: قَاتِلُ المُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا لا تُقْبَلُ له توبةٌ، ويقولُ: هذه الآيةُ من آخرِ ما نزلَ ولم يَنْسَخْها شيءٌ، وممَّن ذهبَ إلى قولِه: زيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وعبيدُ بنُ عميرٍ، والحسنُ، وقتادةُ، والضَّحَّاكُ، نقله ابنُ أبي حاتمٍ، والَّذي عليه الجمهورُ سلفًا وخَلفًا: أنَّ القاتلَ له توبةٌ فيما بينه وبينَ اللهِ، فإنْ تابَ وأنابَ وعمِلَ صالِحًا بَدَّلَ اللهُ سيئاتِه حسناتٍ وعَوَّضَ المَقْتُولَ عن ظَلاَمَتِهِ، قال تعالى: (قُلْ ياعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) الآيةَ، وهذا عامٌّ في جميعِ الذَّنوبِ، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) الآيةَ، وهذه الآيةُ عامَّةٌ في جميعِ الذُّنوبِ، عدا الشِّركِ باللهِ، إلى غيرِ ذلك من الأدلَّةِ، وما يُرْوى عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه فهو مبالغةٌ وتشديدٌ في الزَّجْرِ عن القتلِ، وقال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى: (( والتَّحقيقُ في المسألةِ أنَّ القتلَ تتعلَّقُ به ثلاثةُ حقوقٍ: حقُّ اللهِ، وحقُّ المقتولِ، وحقُّ الوليِّ، فإذا سَلَّمَ القاتلُ نفسَهُ طوعًا واختيارًا نَدَمًا على ما فعلَهُ وخوفًا من اللهِ وتوبةً نصوحًا سَقَطَ حقُّ اللهِ بالتَّوبةِ، وحقُّ الأولياءِ بِالاسْتِيفَاءِ أو الصُّلحِ أو العفوِ، وبَقِي حقُّ المقتولِ يُعوِّضُه اللهُ عنه يومَ القيامةِ عن عبدِه التَّائبِ المُحسنِ، ويُصلحُ بينَه وبينَه، فلا يضيعُ حقُّ هذا ولا يَبْطلُ حقُّ هذا، انتهى. وبتقديرِ دخولِ القاتلِ النَّارَ فليس بِمُخلَّدٍ فيها أبدًا، بل الخلودُ هو المكثُ الطَّويلُ، وقد تواترتِ الأحاديثُ عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: أَنَّهُ (( يَخرجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ) )، فدخولُ النَّارِ على قِسمين: دخولٌ مطلقٌ، ومطلَقُ دُخولٍ.
فالأوَّلُ: هو دخولُ المُشركين والكفرةِ فهؤلاء يدخلونَها ولا يَخرجونَ منها أبدًا.
والثَّاني: وهو دخولُ المُوحِّدين الَّذين عليهم ذنوبٌ ومعاصٍ، فهؤلاء يُعذَّبون فيها بقدرِ سيَّئاتِهم ثمَّ يَخْرُجون منها إنْ لم يَحْصلْ سببٌ للخروجِ مِنها قبلَ ذلك، من شفاعةٍ، أو غيِرِها من الأسبابِ، فالنَّاسُ ينقسِمونَ بحسبِ ما تقدَّمَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلِ: المُشركون والكفَّارُ، كُفْرٌ يُخْرِج عن المِلَّةِ الإسلاميَّةِ، فهؤلاء يَدخلونَ النَّارَ ويُخَلَّدون فيها دائِمًا، ولا يَخْرجون منها أبدًا.
النَّوعِ الثَّاني: مَن ماتَ على التَّوحيدِ وليسَ عليه ذنوبٌ فهذا يدخلُ الجنَّةَ من أوَّلِ وهلةٍ.
الثَّالثِ: مَن ماتَ مُوَحِّدًا وعليه ذنوبٌ ومعاصٍ، فهذا تحتَ مشيئةِ اللهِ، إِنْ شاءَ اللهُ عَفَا عنه وأَدْخَله الجنَّةَ من أوَّلِ وهلةٍ، وإن شاءَ عذَّبَه بقدرِ ذنوبِه ثمَّ أدخلَه الجنَّةَ، هذا ما عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، وهو الَّذي تواترتْ به الأدلَّةُ من الكتابِ والسُّنَّةِ، عكسُ ما عليه المرجئةُ والخوارجُ والمعتزلةُ.
قال السَّفَارِينيُّ في (( الدُرَّةِ المُضِيئةِ ) ):
وَمَنْ يَمُتْ وَلَمْ يَتُبْ مِنَ الْخَطَا فَأَمْرُهُ مفَوَّضٌ لِذِي الْعَطَا
فَإِنْ يَشَأْ يَعْفُو وَإِنْ شَاءَ انْتَقَمَ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى وَأجْزَلَ النِّعَمَ
وفي هذه الآيةِ دليلٌ على إثباتِ الغضبِ، وأنَّه -سُبْحَانَهُ- يغضبُ ويَرْضى كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه.
(59) قولُه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهُ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ) : أي ذلك الضربُ والقبضُ لأرواحهِمْ بهذه الشِّدَّةِ بسببِ اتَّبَاعِهم ما يُسخِطُ اللهَ مِن الكفرِ وعداوةِ الرَّسولِ، وبسببِ كراهتِهم رضوانَه؛ أي ما يُرضيهِ مِن الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ.
فهذه الآيةُ أفادَتْ إثباتَ صفةِ السَّخَطِ والرِّضا، وأنَّه -سُبْحَانَهُ وتعالى- يَسْخَط ويَرْضى حقيقةً، كما يليقُ بجلالِه وعظمَتِه، فيجبُ إثباتُ ذلك الوجهِ اللاَّئِقِ بجلالِهِ وعظمَتِه، هذا قولُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ، وكلًُّ ما وَرَدَ في الكتابِ والسُّنَّةِ يجبُ إثباتُهُ على الوجهِ اللاَئِقِ بجلاَلِه وعظَمَتِه، والبابُ كلُّه واحدٌ.
وفي هذه الآيةِ إثباتُ العِلَلِ والأسبابِ، وأنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ سببٌ للسَّعادةِ، والأعمالَ السَّيِّئةَ سببٌ للشَّقَاوةِ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعَمَ: أنَّه لا ارتباطَ بينَ العملِ والجزاءِ. انتهى.
وفيها -أيضًا- ذمُّ مَن أحبَّ ما كرهَهُ اللهُ أو كَرِهَ ما أحبَّهُ، فالواجبُ على كلِّ مؤمنٍ: أنْ يُحبَّ ما أحبَّهُ اللهُ محبَّةً تُوجِبُ الإتيانَ بما وجَبَ عليه منه، فإنْ زادَت المحبَّةُ حتى أتى بما نُدِبَ إليه منه كان ذلكَ فضلًا، وَأَنْ يكرَهَ ما كَرِهَهُ اللهُ كَرَاهةً تُوجبُ له الكفَّ عمَّا حرَّم اللهُ عليه منه، فإنْ زادَت الكراهةُ حتى أوجبَت الكفَّ عمَّا كَرِهَهُ تنْزيهًا كان ذلكَ فضلًا، وقدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحين عنه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قالَ: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) . فلا يكونُ العبْدُ مؤمنًا حتى يُقَدِّمَ محبَّةَ الرَّسولِ على محبَّةِ جميعِ الخَلْقِ، ومحبَّةُ الرَّسول تابِعَةٌ لمحبَّةِ مُرْسِلِهِ، والمحبَّةُ الصَّحيحةُ تقتضي المتابعةَ والموافقةَ في حُبِّ المحبوباتِ وبُغْضِ المكروهاتِ، قالَ تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) الآيةَ، انتهى مِن كلامِ ابنِ رجبٍ.
قولُه: (آسَفُونَا) : أيْ أَغْضبونَا، وأَسِفَ لها معنيانِ: تأتِي بمعنى غَضِبَ كهذه الآيةِ، وتأتي بمعنى حَزِنَ كقولِه -سُبْحَانَهُ- عن يعقوبَ أنَّه قالَ: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) الآيةَ.
وقولُه: (انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) : أيْ عاقبَهُمْ -سُبْحَانَهُ- بالغَرَقِ وغيرِه مِن العقوباتِ، والانتقامُ: هو أنْ يبلغَ في العقوبَةِ حدَّها، ومِن أسمائِه -سُبْحَانَهُ- المنتقِمُ، كما جاءَ في حديثِ أبي هُريرةَ الَّذي رواه التِّرْمِذِيُّ في جامِعه، في عددِ الأسماءِ الحُسنى، ومعنَاهُ المُبَالِغُ في العقوبَةِ لِمَن يشاءُ، وقالَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رحمه اللهُ-: المُنتَقِمُ ليسَ مِن أسماءِ اللهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وإنَّما جاءَ في القرآنِ مقيَّدًا كقولِه -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) ، وقولِهِ: (وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) والحديثُ الَّذي في عدَدِ الأسماءِ الحُسنى يُذْكَرُ فيها المنتقِمُ ليسَ هوَ عندَ أهْلِ المعرفةِ بالحديثِ مِن كلامِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بلْ هذا ذكَرهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ عن بعضِ شيوخِهِ، ولهذا لم يوردْهُ أحدٌ مِن أهْلِ الكُتُبِ المشهورَةِ إلاَّ التِّرمذيُّ. انتهى.