الصفحة 55 من 233

وقولُه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (ذَلِكَ بأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رَضْوَانَهُ) ،وقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ) . (59)

وقَوْلُهُ: ( وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) [1]

(60) قولُه: (كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ) : أي أَبغَضَ خروجَهم معكم إلى الغزوِ.

قولُه: (فَثَبَّطَهُمْ) : أي كسَّلَهم، والتَّثبيطُ: ردُّ الإنسانِ عن الشَّيءِ الَّذي يفعلُه، أي أنَّه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كسَّلهم عن الخروجِ للغزوِ قضاءً وقدرًا، وإن كانَ قدْ أمرَهم بالغزوِ وأقدرَهُم عليه، ولكنْ ما أرادَ إعانَتَهُم؛ بلْ خذلَهُم وثبَّطهم لحِكمةٍ يعلمُها سُبْحَانَهُ وتعالى: (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) .

قوله: (كَبُرَ) : أي عَظُمَ.

قَولُهُ: (مَقْتًا) : منصوبٌ على التَّمييزِ، والمقتُ أشدُّ البُغضِ.

وفي الآيةِ الحثُّ على الوفاءِ بالعهدِ، والنَّهيُ الأكيدُ عن الخُلْفِ في الوعدِ وغيرِهِ، وبها استدلَّ بعضُ العُلماءِ على أنَّهُ يجبُ الوفاءُ بالوعدِ مطلقًا، سواءً ثبَتَ عليه عزمٌ للموعودِ أم لا، واحتجَّوا بما ثبتَ في الصَّحيحين: أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قالَ: (( آيةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ ) )وفيها دليلٌ على إثباتِ صفةِ البُغضِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كَمَا يليقُ بجلالِه وعظمتِه، وفيه دليلٌ على أنَّ بُغضَه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- يتفاوتُ، فبَعضُه أشدُّ مِن بعضٍ، كما في الحديثِ: (( إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثلَهُ، ولنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثلَهُ ) ).

وفيه دليلٌ على أنَّ الشَّخصَ قد يكونُ عدوًّا للهِ ثمَّ يصيرُ ولِيًّا، ويكونُ اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- يُبغضُه ثمَّ يُحبُّه، وهذا مذهبُ الفقهاءِ والعامَّةِ، وهو قولُ المعتزلةِ والكراميَّةِ والحنفيَّةِ قاطبةً، والمالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابلةِ، وعلى هذا يدلَُّ القرآنُ، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، وقال: (وَإِنْ تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ) ، وقَولُهُ: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) وغيرُها مِن الآياتِ والأحاديثِ. انتهى ملخَّصًا مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيْميةَ رحمهُ اللهُ تعالى.

فهذه الآياتُ المتقدِّمةُ دليلٌ على صفةِ الغضبِ والرِّضا، والولايةِ والحُبِّ والبغضِ والسَّخطِ والكراهةِ ونحوِ ذلك، وهذا مذهبُ السَّلفِ الصَّالحِ وسائرِ الأئمَّةِ يُثبتونَ جميعَ ما في الكتابِ والسُّنَّةِ على المَعنى اللاَّئِقِ به، كما يقولونَ ذلك في السَّمْعِ والبصرِ والعلمِ والكلامِ وسائرِ الصِّفاتِ، وقد تقدَّمَ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت