الصفحة 6 من 233

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا

[ أَمَّا بَعْدُ؛ فهذا اعْتِقادُ ] الفِرقَةِ النَّاجِيَةِ [1]

(1) قولُه: ( وصلَّى اللهُ على نبِيِّنَا ) : صلاةُ اللهِ على عبدِهِ: هو ثَنَاؤُهُ في الملأِ الأعلى، كما ذكره البخاريُّ في صحيحِه عن أبي العَالِيَةِ، وقيلَ: الرَّحمةُ، والصَّوابُ الأولُ لوجوهٍ عديدةٍ ذكَرها ابنُ القيّمِ في (( بَدَائِعِ الفَوَائِدِ ) )، و (( جَلاَءِ الأَفْهَامِ ) ).

قولُه: ( وعلى آلهِ ) : أي أَتباعِهِ على دينِه، كما هو روايةٌ عن أحمدَ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وعلى هذا فيشملُ الصّحابةَ وغيرَهُم مِنَ المؤمنين.

قولُه: ( وسلَّمَ ) : السَّلامُ بمعنى التّحيّةِ أو السّلامةِ من النّقائصِ والرَّذَائِلِ، ومن أسمائهِ سبحانَهُ: السّلامُ لسلامتِه من النّقائصِ والعيوبِ، كما قالَ ابنُ القيمِ في (( النُونيَّةِ ) ):

وَهُوَ السَّلامُ عَلَى الحَقِيقَةِ سَالِمٌ مِنْ كُلِّ مَا عِيبَ وَمِنْ نُقْصَانِ

وجمعَ المصنِّفُ بين الصَّلاةِ والسَّلامِ امتِثالًا لقولِه سبحانهُ وتعالى: (صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) .

قولُه: ( مزيدًا ) : أي زائدًا من الزِّيادة وهي النّموُّ.

قولُه: ( أمَّا بعدُ ) : هذه الكلمةُ يُؤْتَى بها للانتقالِ من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخرَ، ويُنْدَبُ الإِتيَانُ بها: في الخُطَبِ، والُمكَاتَبَاتِ، كما كانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأْتي بها في خُطبِهِ ومُكَاتَبَاتِهِ، رواه عبدُ القاهرِ الرَّهَاوِيُّ في الأربعينَ له، عن أربعينَ صحابيًّا.

قولُه: ( اعتقادُ ) : الاعتقادُ لغةً الرَّبْطُ والجَزْمُ، اعْتَقَدْتُ كَذَا عَقَدْتُ عليه القلبَ والضَّميرَ. انتهى مصباحٌ. وعَرَّفه بعضُهم اصطلاحًا بقولهِ: هو حُكْمُ الذِّهنِ الَجازِمِ، فإن طابقَ فصحيحٌ وإلا ففاسدٌ.

قولُه: ( الفرقةِ ) : أي الطّائفةِ والجماعةِ، وأمَّا الفُرقةُ بالضّمِّ فمعناه الافتراقُ.

قولُه: ( النَّاجيةَِ ) : أي الَّتي سَلِمَتْ من الهلاكِ والشّرورِ في الدّنيا والآخرةِ.

وحصلتْ على السّعادةِ بِسببِ استقامتِها على الحقِّ، وتمسُّكِها بما كان عليه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابُه، كما في حديثِ أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثنتين وسبعينَ فِرْقَةً وَتَفَرَّقَتِ النَّصارى عَلَى إِحْدَى أَو ثنتين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ) )رواهُ أبو داودَ، والتّرمذيُّ، وابنُ ماجه، وحديثُ ابنِ ماجه مختصرٌ، وقالَ التّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعن معاويةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنَّه قال: ألا إنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قامَ فينا فقالَ: (( إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى اثنتين وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ الأُمَّةَ ستفترِقُ عَلَى ثَلاثٍٍ وَسَبْعِينَ: اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وهي الجَمَاعَةُ ) )رواهُ أبو داودَ، وفي روايةِ التّرمذيِّ (( كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً ) )قَالُوا: مَنْ هي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: (( مَنْ كانَ عَلَى مِثْلِ ما أنا علَيه اليومَ وَأَصْحَابِي ) )وقالَ: هذا حديثٌ غريبٌ مُفَِّسرٌ لا نعرفهُ إلا مِنْ هذا الوجهِ.

وقد أخطأ بعضُهم في تعريفِ الفرقةِ الناجيةِ أنَّها: أهلُ الحديثِ، والأَشْعَرِيَّةِ، والمَاتُرِيدِيَّةِ، فإنَّ لفظَ الحديثِ يَرُدُّ ذلك، فإنَّ قولَهُ: ( وَاحِدَةً ) يُنافي التّعدُّدَ، فتعيَّنَ أنْ تكونَ الفرقةُ النّاجيةُ هم أهلَ الحديثِ فقط، وهم أهلُ السّنَّةِ والجماعةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت