الصفحة 7 من 233

المَنْصُورَةِ [1]

(1) قولُه: ( المنصورةِ ) : أي الَّتي أعانها سبحانَه وأيَّدها وقَوَّاها على مَنْ خَالَفَها وعَاداها، وجعلَ العاقبةَ لها لِتَمَسُّكِها بما كانَ عليه الرَّسولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابُه، كما في الصَّحيحِ مِن حديثِ المغيرةِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ) )وفي حديثِ جابرِ بنِ سَمُرَةَ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلاَ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) )رواه مسلمٌ وغيرُهُ.

قالَ البخاريُّ وغيرُه: هذه الطَّائفةُ هم أهلُ العلمِ. وقال أحمدُ: إنْ لم يكونوا أهلَ الحديثِ فلا أدري من هم، وكذا قالَ يزيدُ بنُ هارونَ قالَ: قال القاضي عِيَاضٌ: إنَّما أرادَ أحمدُ أهلَ السّنّةِ والجماعةِ ومَنْ يَعْتقدُ مذهبَ أهلِ الحديث.

ففيهِ أعظمُ بِشارةٍ أَنَّ الحقَّ لا يزولُ بِالكُلِّيَّةِ, وفيه معجزةٌ ظاهرةٌ للنَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنَّه لم يَزَلْ وللهِ الحمدُ هذا الوصفُ باقيًا ولا يزالُ، وهذه سنّةُ اللهِ في خلقهِ أَنَّه ينصرُ عبادَه المؤمنين، كما قالَ سبحانَه: ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وفي صحيحٍ البخاريِّ من حديثِ أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ عَادَى لِي وليًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالحَرْبِ ) )ولهذا أهلَكَ اللهُ قومَ نوحٍ، وعادًا، وثمودَ، وأشباهَهم ممن كذَّبَ الرّسلَ، وأنْجى عبادَهُ المؤمنين، وهكذا نصرَ اللهُ نبيَّه محمّدًا وأصحابَه على من خالفَهُ وناوَأَهُ وعاداه، فجعل كلمتَهُ العليا، ودينَهُ الظاهرَ على سائرِ الأديانِ، وفتحَ اللهُ عليه مكَّةَ واليمنَ، ودانتْ له جزيرةُ العربِ بِكمالِها وأقامَ اللهُ أصحابَه وخلفاءَه من بعدِه فَبَلَّغُوا عنه دينَ اللهِ، ودَعوْا إلى اللهِ، وفتَحوا البلادَ والأقاليمَ حتَّى انتشرتِ الدَّعوةُ المحمّديّةُ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِهَا، ثمَّ لا يزالُ هذا الدِّينُ قائمًا منصورًا إلى قيامِ السّاعةِ، كما قالَ اللهُ سبحانه: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) أي يومَ القيامةِ تكونُ النُّصرةُ أعظمَ وأجلَّ.

وعن أبي عُتبةَ الخولانِيِّ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( لاَ يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ ) )رواه ابنُ ماجةَ.

نقلَ نعيمُ بنُ طريفٍ رحمَهُ اللهُ عن أحمدَ أنَّه قالَ: هم أصحابُ الحديثِ، وفي السُنَنِ (( إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فِي رَأْسِ كُلِّ مائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ) )وقال عَليٌّ رَضِي اللهُ عَنْهُ: لن تخلوَ الأرضُ من قائمٍ للهِ بحجَّتِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت