الصفحة 84 من 233

وقالَ تعالى في سُورةِ طه: ( الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى ) ،وقالَ في سُورَةِ الفُرْقانِ: ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ الرَّحْمنُ ) ، وقالَ في سُورةِ السَّجدة: ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّة أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ ) ، وقالَ في سُورةِ الحَديدِ: ( هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ ) ]، وقَوْلُهُ: ( يَا عِيْسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) ، ( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِليهِ ) . [1]

(1) وقَولُهُ في سورةِ طه: (الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى) إلخ الآياتِ - فهذه الآياتُ فيها دلالةٌ واضحةٌ على إثباتِ الاستواءِ على العرشِ وأنَّهُ استواءُ حقيقةٍ يليقُ بجلالِه وعظمتِه، وفيها الرَّدُّ على مَن زعَمَ أنَّ ذلكَ مجازٌ عن القهرِ أو الاستيلاءِ، وفيها دليلٌ على إثباتِ العرشِ وأنَّه مخلوقٌ، والرَّدُّ على مَن زعمَ: أنَّ معنى العرشِ المُلكُ، وفيها دليلٌ على أنَّ الاستواءَ صفةُ فعلٍ، وفي هذه الآياتِ دليلٌ على عُلوِّه -سُبْحَانَهُ- على خلقِه، فأدلَّةُ الاستواءِ كلُّها أدلَّةٌ على إثباتِ العلوِّ، وينقسمُ العلوُّ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

الأوَّلِ: علوُّ القهرِ. الثَّاني: علوُّ القدرِ. الثَّالثِ: علوُّ الذَّاتِ، خلافًا للمبتدعةِ الَّذين يُنكرون علوَّ الذَّات.

وأدلَّةُ العلوِّ عقليَّةٌ، فقد تواطأتْ أدلَّةُ السَّمعِ والعقلِ على إثباتهِ، وكذلك قد فُطِرَ الخلقُ على إثباتهِ، أمَّا الاستواءُ فدليلُه سمعيٌّ فقط، وهو أيضًا صفةُ فعلٍ.اهـ.

وفي الآياتِ دليلٌ صحيحٌ على أنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- ليسَ هو عينَ هذه المخلوقاتِ، ولا صفةً ولا جزءًا منها، فإنَّ الخالقَ غيرُ المخلوقِ، وليسَ بداخلٍ فيها محصورًا، بل هي صريحةٌ في أنَّه مُبايِنٌ لها، وليس حالًا فيها، ولا مَحلاًّ لها سُبْحَانَهُ. انتهى. مِن كلامِ ابنِ القيِّمِ رحمه اللهُ تعالى.

قَولُهُ: (يَا عِيْسَى إِنَّي مُتوَفِّيكَ) : أي قابِضُك من الأرضِ ورافعُك إليَّ من غيرِ موتٍ، من قَولِهِم توفَّيتُ الشَّيءَ واستوفيتُه إذا قبضتُه وأخذتُه تامًّا، انتهى. الخازِن.ُ والتَّوفِّي الاستيفاءُ، وهو يصلحُ لتوفِّي النَّومِ ولتوفِّي الموتِ الَّذي هو فراقُ الرُّوحِ البدنَ، ولم يذكرِ القبضَ الَّذي هو قبضُ الرُّوحِ والبدنِ جميعًا، والصَّوابُ الَّذي عليه المحقِّقون، أنَّ عيسى عليه السَّلامُ لم يمتْ بحيثُ فارقتْ روحُه بدنَه، بل هو حيٌّ مع كونِه تُوفِّي. انتهى. من اختياراتِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ بنِ تيميةَ.

قَولُهُ: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) : أي رفعَهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- إلى السَّماءِ وهو حيٌّ، كما قال: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) ، والضَّميرُ في قَولِهِ: (قَبْلَ مَوْتِهِ) عائدٌ إلى عيسى، وذلك حينَ ينزلُ إلى الأرضِ قبلَ يومِ القيامةِ، ونزولُ عيسى ثابتٌ وهو أحدُ أشراطِ السَّاعةِ الكبارِ، وفي الصَّحيحين عن أبي هريرةَ أنَّه قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الجِزْيَةَ وَيَفِيضُ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَه أَحَدٌ ) ). وفي روايةٍ: (( حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ) )ثمَّ يقولُ: (( اِقرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وفي هذه الآيةِ إثباتُ الكلامِ للهِ -سُبْحَانَهُ- والرَّدُّ على مَن زعمَ أنَّ كلامَه -سُبْحَانَهُ- معناه المعنى النَّفسيُّ، وفيها دليلٌ أنَّ اللهَ رفَعَ عيسى إلى السَّماءِ وقبضَه إليه، وفيهما دليلٌ على علوِّه -سُبْحَانَهُ- على خلقِه، إذ الرَّفعُ لا يكونُ إلا من أسفلَ إلى أعلى.

قَولُهُ: (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِليهِ) : في هذه الآيةِ -كالآيةِ السَّابقةِ- دليلٌ على أنَّ اللهَ رفعَ عيسى عليه السَّلامُ إلى السَّماءِ وقبضَهُ إليه، وفيها دليلٌ على علوِّه -سُبْحَانَهُ- على خلقِه، وفي هذه الآيةِ والَّتي قبلَها الرَّدُّ على اليهودِ الَّذين تَنَقَّصُوهُ وجعلوه ابنَ زِنا، والرَّدُّ على النَّصارى الَّذين غلَوْا فيه ورفعُوه عن مَقَامِ النبوَّةِ إلى مقامِ الرَّبوبيَّةِ، تعالى اللهُ عَن قَولِهِم عُلُوًّا كبيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت