الصفحة 85 من 233

وقوله: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) . [1]

وقوله: (وَقَالَ فَرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فأَطَّلِعَ إِلى إَلَهِ مُوْسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا ) . [2]

(1) قَولُهُ: (إِلَيْهِ) : أي إلى اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالى. (يَصْعَدُ) : أي يرتفعُ والصُّعودُ: الارتفاعُ، وأمَّا أصعدَ يُصعَدُ بالضَّمِّ فمعناه: أبعدُ في الهروبِِ، ومنه (إِذْ تُصْعِدُونَ) .

وقَولُهُ: (الكَلِمُ الطَّيِّبُ) : يعني الذِّكرَ والتِّلاوةَ والدُّعاءَ، قاله غيرُ واحدٍ من السَّلفِ، انتهى. من ابنِ كثيرٍ.

قَولُهُ: (وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) : قال مجاهدٌ: العملُ الصَّالِحُ يرفعُ الكلمَ الطَّيِّبَ. وقيل الرَّفعُ مِن صفةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، أي العملُ الصَّالحُ يرفعُه اللهُ، قال سفيانُ بنُ عيينةَ: العملُ الصَّالحُ هو الخالصُ، يعني أنَّ الإخلاصَ يسبِّبُ قبولَ العملِ، كما قالَ سُبْحَانَهُ: (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) الآيةَ. وقالَ ابنُ القيَّمِ: العملُ الصَّالحُ هو الخالي من الرِّياءِ المقيَّدِ بالسُّنَّةِ، في هذه الآيةِِ أيضًا دليلٌ على علوِّ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى؛ لأنَّ الصُّعودَ والرَّفعَ لا يكونُ إلا من أسفلَ إلى أعلى.

(2) قَولُهُ: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ) : هو ملكُ القبطِ في الدِّيارِ المصريَّةِ، وفرعونُ لقبٌ لكلِّ مَنْ ملكَ مصرَ.

قَولُهُ: (يَا هَامَانُ) : أي قالَ فرعونُ لوزيرهِ هامانَ (ابْنِ لِي صَرْحًا) : أي قصرًا عاليًا منيفًا.

قَولُهُ: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ) : أسبابَ: مفردُه سببٌ، والسَّببُ يأتي بمعنى الحبلِ كقَولِهِ: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ) والطَّريقِ ومنه قَولُهُ (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) والبابِ كقَولِهِ: (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) .

قَولُهُ: (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) : أي طُرقَها وأبوابَها وما يُؤدِّي إليها، وكلُّ ما أدى إلى شيءٍ فهو سببٌ إليه كالرِّشَا ونحوِه.

قَولُهُ: (فأَطَّلِعَ) : بالنَّصبِ على جوابِ الشِّرطِ أي أصعدَ، والاطَّلاعُ هو الصُّعودُ.

قَولُهُ: (إِلى إَلَهِ مُوْسَى وَإِنَّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا) : أي في دعواه أنَّ له إلهًا غيري، وأنَّه أرسلَه، ففي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ موسى عليه السَّلامُ كانَ يقولُ: ربُّه في السَّماءِ وفرعونُ يظنُّه كاذبًا، فمَن نفى العلوَّ من الجهميَّةِ فهو فرعونيٌّ، ومَن أثبتَهُ فهو مُوسَويٌّ محمَّديٌّ، ففيها دليلٌ على إثباتِ علوِّ اللهِ -سُبْحَانَهُ- على خلقِه، وأنَّ موسى عليه السَّلامُ أخبَر أنَّ رَبَّه في السَّماءِ، وعلوُّ اللهِ -سُبْحَانَهُ- على خلقِه ممَّا تواطأَ على إثباتِه العقلُ والنَّقلُ وفَطَرَ اللهُ عليه الخلقَ، وأدلَّةُ إثباتِ العلوِّ كثيرةٌ جدًّا تزيدُ على ألفِ دليلٍ، قيل لعبدِ اللهِ بنِ المباركِ كيفَ نعرفُ ربَّنا؟ فقال: بأنَّه فوقَ السَّماءِ السَّابعةِ على العرشِ بائنٌ من خلقِه، وقال الأوزاعيُّ: كُنَّا والتَّابعونَ متوافِرون نقولُ: إنَّ اللهَ تعالى بائنٌ من خلقِه، ونؤمنُ بما وردتْ به السُّنَّةُ، وقال أبو عمرٍو الطلمنكيُّ في كتابِ (الأصولِ) : أجمعَ المسلمون من أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ اللهَ استوى على عرشِه على الحقيقةِ لا على المجازِ، ثمَّ ساقَ بسندِه عن مالكٍ قال: اللهُ في السَّماءِ وَعِلْمُهُ في كلِّ مكانٍ، ثمَّ قال في هذا الكتابِ: أجمعَ المسلمونَ من أهلِ السُّنَّةِ أنَّ معنى قَولِهِ: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) ونحوِ ذلك من القرآنِ أنَّ ذلك علمُه، وأنَّ اللهَ فوقَ السَّماواتِ بذاتِه مستوٍ على عرشِه كيف شاءَ، هذا لفظُه في كتابهِ، وهذا كَثيرٌ في كلامِ الصَّحابةِ والتَّابعين، والأئمَّةُ أثبتوا ما أثبتَهُ اللهُ في كتابِه على لسانِ رسولِه على الحقيقةِ فيما يليقُ بجلالِِه وعظمتِه، ونفَوا عنه مشابهةَ المخلوقِين ولم يُمَثِّلُوا أو يُعَطِّلُوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت