فهرس الكتاب
وَقَوْلُهُ: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًَا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٌ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (أَأَمِنْتُمْ) : مِن الأمنِ وهو ضدُّ الخوفِ.
قَولُهُ: (مَنْ فِي السَّماء) : أي أأمنتم عقابَ مَن في السَّماء، وهو اللهُ إنْ عصيتُموه، وهذا عندَ أَهلِ السُّنَّةِ على أحدِ وجهينِ.
الأوَّلِ: أن تكون (( في ) )بمعنى على.
قَولُهُ: (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ) : أي كما خسفَ بقارونَ.
قَولُهُ: (فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) : أي تضطربُ وتتحرَّكُ.
قَولُهُ: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) : أي ريحٌ شديدةٌ سُمِّيت بذلك لأنَّها ترمي الحصباءَ.
قَولُهُ: (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٌ) : أي إذا رأيتُم ذلك عَلِمتم كيفَ إنذاري حين لا ينفعُكم العلمُ. في هذه الآيةِ إشارةٌ إلى التَّحذيرِ مِن الأمنِ مِنْ مكرِ اللهِ، وفي هذهِ الآيةِ دلالةٌ واضحةٌ على علوِّ اللهِ -سُبْحَانَهُ- على خلقِه، وقد تواترتْ في ذلك الأدلَّةُ واتَّفقتْ على إثباتِ العلوِّ جميعُ الرُّسلِ، وذكر ابنُ القيِّمِ أنَّ أدلَّةَ العلوِّ تزيدُ على ألفِ دليلٍ، وينقسمُ العلوُّ إلى ثلاثةِ أقسامٍ كما تقدَّمتِ الإشارةُ إلى ذلك: علوِّ القدرِ، علوِّ القهرِ، علوِّ الذاتِ، فله العلوُّ الكاملُ من جميعِ الوجوهِ، قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (النُّونيَّةِ) :
إنَّ العلوَّ بمطلقِه على التَّعـ ميمِ والإطلاقِ بالبرهانِ
وله العلوُّ من الوجوهِ جميعِها ذاتًا وقهرًا مع علوِّ الشَّان
وعلوُّه فوقَ الخليقةِ كلِّها فُطرتْ عليه الخلقُ والثَّقلان
كلٌّ إذا ما نابَه أمرٌ يُرى متوجِّهًا بضرورةِ الإنسانِ
نحوَ العلوِّ فليسَ يطلبُ خلفَه وأمامَهُ أو جانبَ الإنسانِ
وكذلك الفوقيَّةُ فإنَّها ثَابِتَةٌ للهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، قال اللهُ تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ) ، وقَولُهُ: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) وهي من صفاتِ الذَّاتِ. وفوقَ وعلاَ بمعنًى واحدٍ، وفوقيَّتُه -سُبْحَانَهُ- ثابتةٌ كعلوِّه، تواطأتْ على إثباتِها أدلَّةُ العقلِ والنَّقلِ والفِطَرُ الَّتي لم تتغيَّرْ. وأقسامُ الفوقيَّةِ ثلاثةٌ:
فوقيَّةُ القدرِ. فوقيَّةُ القهرِ. فوقيَّةُ الذَّاتِ، خلافًا للجهميَّة والمعتزلةِ الَّذين يُنكرون فوقيَّةَ الذَّاتِ، قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (النُّونيَّةِ) :
والفوقُ وصفٌ ثابتٌ بالذَّاتِ من كلِّ الوجوهِ لفاطِرِ الأكوانِ
لكنْ نفاةُ الفوقِ ما وافَوا به جحدُوا كمالَ الفوقِ للدَّيَّانِ
بل فسَّرُوه بأنَّ قدْر اللهِ أعـ ـلا لا بفوقِ الذَّاتِ للرَّحمنِ
قالوا وهذا مثلُ قولِ النَّاسِ في ذهبٍ يُرى من خالصِ العِقْيانِ
هو فوقَ جنسِ الفضَّةِ البيضاءِ لا بالذَّاتِ بل في مقتضى الأثمانِ
والفوقُ أنواعٌ ثلاثٌ كلُّها للهِ ثابتةٌ بلا نكرانِ
هذا الَّذي قالوا وفوقَ القهرِ والـ فوقيَّةِ العليا على الأكوانِ
قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ: وممَّا ادَّعى المعطِّلةُ مَجازَهُ الفوقيَّةُ، وقد وردَ به القرآنُ مطلقًا بدون حرفٍ، ومقترنًا بحرفٍ.
فالأوَّلُ كقَولِهِ: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) في موضِعين. والثَّاني: كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ) وفي حديثِ الأوعالِ: (( وَالعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ وَاللهُ فَوْقَ العَرْشِ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ) )وحقيقةُ الفوقيَّةِ علوُّ ذاتِ الشَّيءِ على غيرِه، فادَّعى الجهميُّ أنَّه مجازٌ في فوقيَّةِ الرُّتبةِ والقهرِ، كما يُقالُ الذَّهبُ فوقَ الفضَّةِ، وهذا وإنْ كانَ ثابتًا للرَّبِّ لكنَّ إنكارَ حقيقةِ فوقيَّتهِ -سُبْحَانَهُ- وحمْلَها على المجازِ باطِلٌ من وجوهٍ عديدةٍ: أحدُها: أنَّ الأصلَ الحقيقةُ والمجازُ خلافُ الأصلِ.
الثَّاني: أنَّ الظَّاهرَ خلافُ ذلك إلى أنْ قال.
الثَّالثُ: أنَّ الفِطَرَ والعقولَ والشَّرائعَ وجميعَ كُتُبِ اللهِ المُنَزَّلةِ على خلافِ ذلك، وساقَ وجوهًا عديدةً في إبطالِ ما ذكروه والرَّدِّ عليهم في (الصَّواعقِ) .