فهرس الكتاب
وقوله تعالى ( هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ) فيه إثباتُ الأفعالِ الاختياريَّةِ للرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وهي تنقسمُ إلى قسمين: لازمةٍ كالاستواءِ والمجيءِ والنُّزولِ، ومتعدِّيةٍ كالخلقِ والرِّزقِ والإحياءِ والإماتةِ ونحوِ ذلك، فهو -سُبْحَانَهُ- موصوفٌ بالنَّوعين وقد جمعهُما في هذهِ الآيةِ، وفيها بيانُ أنَّ الَخلقَ غيرُ المخلوقِ؛ لأنَّ نفسَ خلقِه السَّماواتِ والأرضَ غيرُ السَّماواتِ والأرضِ، وفيها دليلٌ على مُبايَنَةِ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ- لخلقِه، فإنَّه لم يخلقْه في ذاتِه، بل خلقَهم خارجًا عن ذاتِه، ثمَّ بانَ عنهم باستوائِه على عرشِه، وهو يعلمُ ما هم عليه فيراهُم وينفذُه بصرُه فيهم ويحيطُ بهم علمًا وقدرةً وإرادةً وسمعًا وبصرًا، وهذا معنى كونِه معهم أينما كانوا.
قَولُهُ: (وَهُوَ مَعَكُمْ) : أي معكُم بعلمِه، وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على أنَّ المرادَ بهذه: معيَّةُ العلمِ ولا شكَّ في إرادةِ ذلك، فعلمهُ بهم وبصرهُ نافِذٌ فيهم، فهو -سُبْحَانَهُ- مطَّلعٌ على خلقِه لا يغيبُ عنه من أمورِهم شيءٌ، فإنَّ (( معَ ) )في لغةِ العربِ لا تقتضي أنْ يكونَ أحدُ الشَّيئينِ مختلطًا بالآخرِ، كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) وجاءت المعيَّةُ في القرآنِ عامَّةً وخاصَّةً، فالعامَّةُ كما في هذه الآيةِ، فافتتح الكلامَ بالعلمِ وختمَهُ بالعلمِ، فدلَّ على أنَّه معهم بالعلمِ، ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ والضَّحَّاكُ وسفيانُ وأحمدُ والثَّوريُّ: وهو معهم بعلمِه.
أمَّا المعيَّةُ الخاصَّةُ فكقَولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) فهو مع المتَّقينَ دونَ الظَّالمين، فلو كانَ معنى المعيَّةِ أنَّهُ في كلِّ مكانٍ بذاتِه لتناقضَ الخبرُ الخاصُّ والعامُّ، بل المعنى أنَّه معَ هؤلاءِ بنصْرِه وحفظِه وتأييده دونَ أولئك.
وقد أخبرَ في هذه الآيةِ وغيرِها: أنَّهُ -سُبْحَانَهُ- مع خلقِه مع كونِه مستويًا على عرشِه، وقَرَنَ بين الأمرين كما قالَ سُبْحَانَهُ: (( هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ) الآية، فأخبر أنَّه اسْتوى على عرشِه وأنَّه معَ خلقه، يُبصِرُ أعمالَهم من فوقِ عرشِه، كما في حديث الأوعالِ، فعلوُّه -سُبْحَانَهُ- لا يُناقِضُ معيَّتَه، ومعيَّتُه لا تُبطِلُ عُلُوَّهُ، فكلاهما حقٌّ، فهذه الآيةُ فيها إثباتُ صفةِ الخلقِ كما تقدَّمَ، وفيها الرَّدُّ على مَنْ زعم قِدَمَ هذهِ المخلوقاتِ، وأنَّها لم تزلْ ولا تزالُ، وفيها إثباتُ الأفعالِ الاختياريَّةِ، وفيها أنَّ هذه المخلوقاتِ خُلِقَت في ستَّةِ أيامٍ، وفيها إثباتُ الاستواءِ، وفيها إثباتُ العرشِ، وفيها دليلٌ على أنَّ الاستواءَ صفةُ فعلٍ، وفيها دليلٌ على إثباتِ صفةِ العلمِ، ودليلٌ على شمولِ العلمِ لكلَّ شيءٍ مِن الكُلِّيَّاتِ والجزئيَّاتِ، وفيها إثباتُ معيَّتِه -سُبْحَانَهُ- لخلقِه وأنَّها لا تُناقضُ عُلوَّه واستواءَه على العرشِ، بل كلاهما حقٌّ.
وفيها إشارةٌ إلى النَّدبِ إلى استحضارِ قربِه واطَّلاعِه كما في الحديثِ: (( الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) ).