فهرس الكتاب
وقَوْلُهُ: ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَُهمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (مَا يَكُونُ) : أي يوجدُ فكانَ تامَّةٌ.
قَولُهُ: (مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ) : النَّجوى إسرارُ ثلاثةٍ، فالنَّجوى الإسرارُ.
قَولُهُ (رَابِعُهُمْ) : لمَّا كان -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ليسَ من جنسِ خلْقهِ جعلَ نفسَهُ رابعَ الثَّلاثةِ وسادسَ الخمسةِ، إذ هو غيرُهم بالحقيقةِ، والعربُ تقولُ: رابعُ أربعةٍ وخامسُ خمسةٍ لِمَا يكونُ فيه المضافُ إليه من جنسِ المضافِ، فإذا كان المضافُ إليه من غيرِ جنسِه قالوا رابعُ ثلاثةٍ وسادسُ خمسةٍ ونحوُ ذلك، أفاده ابنُ القيِّم في (الصَّواعقِ) .
قَولُهُ: (إِلاَّ هُوَ مَعَُهمْ) : أي مُطَّلِعٌ عليهم يسمعُ كلامَهم ويعلمُ سرَّهُم ونَجْواهم، ورسلُه مع ذلك تكتبُ ما يتناجَونَ به مع علمِه وسمعِه، كما قال سُبْحَانَهُ: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) قال ابنُ كثيرٍ رحمه اللهُ: ولهذا حكى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على أنَّ المرادَ بهذه الآيةِ مَعِيَّةُ علمِه سُبْحَانَهُ، ولا شكَّ في إرادةِ ذلك، ولكنَّ سمعَهُ أيضًا مع علمِهِ بهم، وبصرَهُ نافِذٌ فيهم، فهو -سُبْحَانَهُ- مُطَّلعٌ على خلقِه لا يغيبُ عنه من أمرِهم شيءٌ.
قَولُهُ: ( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ) : أي يخبرُهم يومَ القيامةِ بجميعِ أعمالِهم، قال تعالى: (وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) .
قَولُهُ: (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) : قال الإمامُ أحمدُ: افتتحَ الآيةَ بالعلمِ واختَتمها بالعلم، وقال أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ رحمه اللهُ: أجمعَ العلماءُ من الصَّحابة والتَّابعين الَّذين حُملَ عنهم التَّأويلُ - أي تفسيرُ القرآنِ - قالوا في تأويلِ قَولِهِ: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ) الآيةَ هو على عرشِه وعلمُه بكلِّ مكانٍ، وما خالفَهُم في ذلك مَن يُحتجُّ بقَولِهِ.