الصفحة 90 من 233

وقوله ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ، وقوله تعالى ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، وقَوْلُهُ: (وهو الذى في السماء إله وفى الأرض إله) وقَوْلُهُ: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) : في هذه الآيةِ الأمرُ بالصَّبرِ وهو دليلٌ على وجوبِه، وهو شاملٌ لأنواعِ الصَّبرِ الثَّلاثةِ، فإنَّ حذفَ المعمولِ يُؤذِنُ بالعمومِ.

وقَولُهُ: (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) : أي بحفظِه ونصرِه وتأييدِه، وهذه معيَّةٌ خاصَّةٌ.

قَولُهُ: (فِئَةٍ) : أي جماعةٍ، وهي جمعٌ لا واحدَ له من لفظِه.

قَولُهُ: (بِإِذْنِ اللهِ) : أي بقضائِه وإرادته ومشيئتِه.

أفادتْ هذه الآيةُ -كالآيةِ السَّابقةِ- الحثَّ على الصَّبرِ، وأنَّه أعظمُ سببٍ في تحصيلِ المقصودِ، وفيه أيضًا المعيَّةُ الخاصَّةُ للصَّابرين، وأنَّ اللهَ ضمنَ لهم النَّصرَ، وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ) )وفيها أنَّ النَّصرَ من عندِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، لا عن كثرةِ عددٍ ولا عُدَّةٍ، وإنَّما تلك أسبابٌ، وقد أمرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بتعاطِيها واتَّخاذِها كما قال سُبْحَانَهُ: (وَأَعِدَّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ) أفادتْ هذه الآياتُ المتقدِّمةُ إثباتَ المعيَّةِ، فالآيتانِ الأُوليانِ فيهما إثباتُ المعيَّةِ العامَّةِ، والخمسُ الآياتِ الأخيرةُ فيها إثباتُ المعيَّةِ الخاصَّةِ، ومعيَّتُه -سُبْحَانَهُ- لا تُنافي علوَّه على خلقِه واستوائِه على عرشِه، بل تجامعُه، فإنَّ قُربَه -سُبْحَانَهُ- ومعيَّتَه ليست كقربِ المخلوقِ ومعيَّتِهِ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) .

قَولُهُ: (وَهُوَ الَّذي فِي السَّماء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ) : أي هو إلهُ ومعبودُ أهلِ السَّماواتِ والأرضِ، كما تقولُ فلانٌ أميرٌ في خُراسانَ وفي العراقِ، فلا يدلُّ على أنَّه فيهما جميعًا , وكذلك قَولُهُ: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) فسَّرهُ أئمَّةُ العلمِ كالإمامِ أحمدَ وغيرِه أنَّه المعبودُ في السَّماواتِ والأرضِ، فهذه الآياتُ لا تُخالِفُ الآياتِ الَّتي فيها إثباتُ علوِّه -سُبْحَانَهُ- واستوائِه على عرشِه، بل تُجامعُها، فإنَّ قربَهُ ومعيَّته كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .

قَولُهُ: (وَمَنْ أَصْدَقُ) : لفظةُ استفهامٍ، ومعناه لا أحدَ أصدقُ من اللهِ في حديثِه وخبرِه ووعدِه ووعيدِه، وكانَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ في خُطبتِه: (( إِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت