الصفحة 91 من 233

( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيْلًا ) ، ( وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيْسى بنَ مَرْيَمَ ) ، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، وقولُهُ: ( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا) : أي لا أحدَ أصدقُ مَن اللهِ قولًا ولا خبرًا.

قَولُهُ: (ابنَ مَرْيَمَ) : أضافَه إلى أمِّه لأَنَّهُ لا أبَ له، فهو من أمٍّ بِلا أبٍ، ففي هذه الآياتِ إثباتُ القولِ للهِ -سُبْحَانَهُ وتعالى- وأنَّهُ يقولُ متى شاءَ إذا شاءَ، وأنَّ الكلامَ والقولَ المضافَ إليه -سُبْحَانَهُ- قديمُ النَّوعِ حادثُ الأحادِ، وفيه دليلٌ على أنَّه -سُبْحَانَهُ- يتكلَّمُ بحرفٍ وصوتٍ كما يليقُ بجلالِه سُبْحَانَهُ، وفيه الرَّدُّ على مَن زعمَ أنَّ كلامَ اللهِ هو المعنى النَّفسيُّ، إذ المعنى المجرَّدُ لا يُسمعُ.

قَولُهُ: (صِدْقًا) : أي صدقًا في الإخبارِ، وعدلًا في الطَّلبِ، فكلُّ ما أخبرَ به -سُبْحَانَهُ- فهو حقٌّ لا مريةَ فيه ولا شكَّ، فكلُّ ما أمَرَ به فهو العدلُ الَّذي لا عدلَ سِواه، وكلُّ ما نهى عنه فباطلٌ؛ لأنَّه لا يَنهى إلا عن مفسدةٍ، والمرادُ بالكلمةِ: أمرُه ونهيهُ ووعدُه ووعيدُه، وكلماتُ اللهِ نوعان: كونيَّةٌ ودينيَّةٌ.

فكلماتُ اللهِ الكونيَّةُ: هي الَّتي استعاذَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بها في قَولِهِ: (( أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لاَ يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ ) )، وكقَولِهِ: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) .

النَّوعُ الثَّاني: الكلماتُ الدِّينيَّةُ: وهي القرآنُ وشرعُ اللهِ الَّذي بَعَثَ به رسولَه، وهي أمرُه ونهيهُ، انتهى. مِن كلامِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ بنِ تيميةَ.

قَولُهُ: (لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) : أي ليسَ أحدٌ يعقِّبُ حكمَه -سُبْحَانَهُ- لا في الدُّنْيَا ولا في الآخرةِ.

قَولُهُ: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) : الَّذي أحاطَ سمعُه بسائرِ الأصواتِ، وأحاطَ علمُه بالظَّواهرِ والخفيَّاتِ.

قَولُهُ: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيما) : خصَّصَ اللهُ نبيَّه موسى عليه السَّلامُ بهذه الصِّفةِ تشريفًا له، ولذا يُقالُ لموسى عليه السَّلامُ الكليمُ، وهذا دليلٌ على أنَّ التَّكليمَ الَّذي حصلَ لموسى عليه السَّلامُ أخصُّ من مُطلقِ الوحيِ، ثم أكَّدَهُ بالمصدرِ الحقيقيِّ رفعًا لِمَا توهَّمه المعطِّلةُ من أنَّه إِلهامٌ أو إشارةٌ أو تعريفٌ للمعنى النَّفسيِّ بِشيءٍ غيرِ التَّكليمِ فأكَّدهُ بالمصدرِ المُفيدِ تحقَّقَ النَّسبةِ ورفعَ توهَّمَ المجازِ، قالَ الفرَّاءُ: إنَّ الكلامَ إذا أُكِّدَ بالمصدرِ ارتفعَ المجازُ وثبتتِ الحقيقةُ، ويُروى أنَّ رجلًا قال لأبي عمرِو بنِ العلاءِ أريدُ أن تَقْرأَ: (وَكَلَّمَ اللهَ مُوسى تَكْلِيما) ، بنصبِ لفظِ الجلالةِ فقالَ له: هبْ أنَّي قرأتُ ذلك فما تقولُ في قَولِهِ: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) فَبُهِتَ المعتزليُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت