فهرس الكتاب
( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ) ، ( وَلَمَّا جَاءَ مُوْسَى لِمِيْقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (مِنْهُم مَّنْ كَلَّمَ اللهُ) : أي: كلَّمَهُ اللهُ، كموسى عليه السَّلامُ ومحمَّدٍ وكذلك آدمُ، كما وردَ به الحديثُ المرويُّ في صحيحِ ابنِ حِبَّانَ عن أبي ذرٍّ رَضِي اللهُ عَنْهُ.
قَولُهُ: (لِمِيْقاتِنا) : أي للوقتِ الَّذي ضَرَبنا أن نُكَلِّمَه فيه.
قَولُهُ: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) : أي كلَّمهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بكلامٍ حقيقيٍّ يليقُ بجلالِه وعظمتِه، وكلَّمهُ بلا واسطةٍ، فهذه الآياتُ أفادتْ إثباتَ صفةِ الكلامِ للهِ، وأَنَّه تكلَّمَ ويتكلَّمُ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، والأدلَّةُ الدَّالَّةُ على أنَّه يتكلَّمُ أكثرُ من أَنْ تُحصرَ، وفيها الرَّدُّ على مَنْ زعمَ أنَّ كلامَه -سُبْحَانَهُ- معنًى واحدٌ قائمٌ بالنَّفسِ لا يُتصوَّرُ أنْ يُسمعَ، وفيها دليلٌ على أنَّ كلامَه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- حقيقةٌ لا مجازٌ، لأنَّه أكَّده بالمصدرِ، فقال: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيما) ، أكَّدَهُ بالمصدرِ لنفي المجازِ؛ لأنَّ العربَ لا تؤكِّدُ بالمصدرِ إلا إذا أرادتِ الحقيقةَ، وفيها دليلٌ على أنَّ اللهَ لم يَزل مُتَكَلِّما إذا شاءَ ومتى شاءَ وكيفَ شاءَ، وفيها دليلٌ على أَنَّ نوعَ الكلامِ قديمٌ، وإنْ لم يكنِ الصَّوتُ المعيَّنُ قديمًا، فكلامُ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- قديمُ النَّوعِ حادثُ الآحادِ، وتقدَّمتِ الإشارةُ إلى أنَّ كلامَهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- نوعانِ: كونيٌَ قدريٌّ به توجدُ الأشياءُ، كما قال سُبْحَانَهُ: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) . الثَّاني: كلامٌ دينيٌّ شرعيٌّ، ومنه كُتُبُه المنَزَّلةُ على رُسلِه، فهو الَّذي تكلَّم بها حقًّا وليست مخلوقةً، بل هي من جُملةِ صفاتِه، وصفاتُه -سُبْحَانَهُ- غيرُ مخلوقةٍ، كما تقدَّمَ في حديثِ خولةَ، وبه استدلَّ الإمامُ أحمدُ وغيرُه على أنَّ كلامَ اللهِ غيرُ مخلوقٍ؛ لأنَّه أمرَ بالاستعاذةِ بكلماتِ اللهِ، والاستعاذةُ بالمخلوقِ شركٌ، فدلَّ على أَنَّ كلامَ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، وتكليمُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- لعبادِه نوعان:
الأوَّلُ: بلا واسطةٍ، كما كلَّم موسى بنَ عمرانَ، وكما كلَّمَ الأبويْنِ، وكذا نادى نبيَّنا ليلةَ الإسراءِ.
الثَّاني: تكليمُه -سُبْحَانَهُ- لعبادِه بواسطةٍ، إمَّا بالوحْيِ الخاصِّ للأنبياءِ، وإمَّا بإرسالِه إليهم رسُولا يكلِّمُهم من أمرِه بما شاءَ.
وفي الآياتِ المتقدِّمةِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الكلامَ المضافَ إليه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من صفاتِه الذَّاتيَّةِ من حيثُ تعلُّقُها بذاتِه واتَّصافُه بها، ومن صفاتِه الفعليَّةِ حيث كانت متعلِّقةً بقدرتِه ومشيئتِه.