فهرس الكتاب
( وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ) ، وقَوْلُهُ: ( وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوْسَى أَنِ ائْتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ ) ، وقَوْلُهُ: ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقولُ مَاذا أَجَبْتُمُ المُرْسَلينَ ) . [1]
(1) قَولُهُ: (وَنَادَيْنَاهُ) : أي نادينَا موسى وكلَّمناه بقولِ: (يا موسى إِنَّي أَنَا اللَّهُ ) ، وقَولُهُ: (الطُّورِ) : هو اسمُ جبلٍ بيَن مصرَ ومدينَ، وقَولُهُ: (الأَيْمَنِ) : أي الَّذي يلي يمينَ موسى حين أقبلَ من مدينَ، قَولُهُ: (وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) : أي مناجيًا.
وقَولُهُ: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوْسَى أَنِ ائْتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، وقَولُهُ: (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ) : أي نادى آدمَ وحوَّاءَ.
وقَولُهُ: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقولُ مَاذا أَجَبْتُمُ المُرْسَلينَ) : قالَ بعضُ السَّلفِ: ما من فعلةٍ وإنْ صغُرتْ إلا ويُنشرُ لها ديوانانِ لِمَ وكيف، أي لِم فعلتَ وكيفَ فعلتَ ؟، فالأوَّلُ سؤالٌ عن الإخلاصِ، والثَّاني سؤالٌ عن المتابعةِ. فإنَّ اللهَ لا يقبلُ عملًا إلا بهما، فطريقُ التَّخلُّصِ من السَّؤالِ الأوَّلِ: بتجريدِ الإخلاصِ، وطريقُ التَّخلُّصِ مِن السَّؤالِ الثَّاني: بتحقيقِ المتابعةِ. انتهى. من الإغاثةِ، وقال بعضُ السَّلفِ: كلمتانِ يُسأل عنهما الأوَّلونَ والآخِرونَ: ماذا كنتم تعبدونَ وماذا أجبتُم المُرسلينَ؟ فَيُسألُ عن المعبودِ وعن العبادةِ.
أفادتْ هذه الآياتُ إثباتَ صفةِ الكلامِ للهِ، وأنَّه نادى وناجَى، وقد جاءَ النِّداءُ في تسعِ آياتٍ من القرآنِ، وكذلك النَّجاءُ جاء في عدَّةِ آياتٍ , والنِّداءُ هو الصَّوتُ الرَّفيعُ، وضدُّه النَّجاءُ، ففيها إثباتُ أنَّ اللهَ يتكلَّمُ بحرفٍ وصوتٍ يليقُ بجلالِه، إذ لا يُعقلُ النِّداءُ والنجاءُ إلا ما كان حرفًا وصوتًا، وقد استفاضتِ الآثارُ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- والصَّحابةِ والتَّابعين ومَن بعدَهم من أئمَّةِ السُّنَّةِ بذلك، وقال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (النُّونيَّةِ) :
واللهُ قد نَادى الكليمَ وقبلَه سمعَ النِّدا في الجنَّةِ الأبوانِ
وأتى النِّدا في تسعِ آياتٍ له وصفًا فراجعْها من القرآنِ
أيصِحُّ في عقلٍ وفي نقلٍ ندا ءٌ ليس مسموعًا لنا بأذانِ
أم أجمعَ العلماءُ والعقلاءُ من أهلِ اللسانِ وأهلِ كُلِّ لسانِ
إنَّ النِّدا الصَّوتُ الرَّفيعُ وضدُّه فهو النَّجاءُ كلاهما صوتانِ
وفي هذه الآياتِ أيضًا الرَّدُّ على مَن زعَم أنَّ كلامَ اللِه هو المعنى النَّفسيُّ، إذ المعنى المجرَّدُ لا يُسمعُ.
وقد ردَّ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ على مَن زعَم ذلك من تسعين وجهًا، قال ابنُ القيِّمِ في (النُّونيَّةِ) :
تِسعون وجهًا بيَّنتْ بطلانَه أعني كلامَ النَّفسِ ذي البُطلانِ
قال بعضُ العلماءِ: مَن زعَم أنَّ كلامَ اللهِ هو المعنى النَّفسيُّ فقد زعمَ أنَّ اللهَ لم يُرسِلْ رسولا ولم يُنزِلُ كتابًا، وقال: مَنْ زعمَ أنَّ كلامَ اللهِ هو المعنى النَّفسيُّ فقد زعَم أنَّ اللهَ أخرسَ، وقال ابنُ حجرٍ رحمه اللهُ في شرحِ البخاريِّ: ومَنْ نفى الصَّوتَ فقدْ زعمَ أنَّ اللهَ لم يُسمِعْ أحدًا من ملائكتِه ولا رُسلِه كلامًا بل ألهمَهم إيَّاه إلهامًا، وفيها الرَّدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ كلامَ اللهِ هو معنًى قائمٌ بذاتِه لا يتجزَّأُ ولا يتبعَّضُ، فإنَّ الأمرَ لو كانَ كما زَعَموا لكانَ موسى عليه السَّلامُ سَمِعَ جميعَ كلامِ اللهِ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعَم أنَّ كلامَ اللِه مخلوقٌ، فإنَّ صفاتِ اللهِ داخلةٌ في مُسمَّى اسمِه، فليسَ اللهُ اسمًا لذاتٍ لا سَمْعَ لها ولا بصرَ ولا حياةَ ولا كلامَ لها، فكلامُهُ وعلمُهُ وحياتُه وقُدرتُه داخلَةٌ في مُسمَّى اسمِه، فهو -سُبْحَانَهُ- بصفاتِه الخالقُ وما سواهُ المخلوقُ، وفي إثباتِ الكلامِ إثباتُ الرِّسالةِ، فإذا انتَفَت صفةُ الكلامِ انتفتْ صفةُ الرِّسالةِ، إذ حقيقةُ الرِّسالةِ تبليغُ كلامِ المرسلِ، ومِن ها هنا قال السَّلفُ: مَن أنكرَ كونَ اللهِ متكلِّمًا فقد أنكرَ رسالةَ الرُّسلِ كلِّهم، والرَّبُّ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- يخلقُ بقَولِهِ وبكلامِه كما قال: (إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) ، فإذا انتفَتْ حقيقةُ الكلامِ عنه فقد انتفى الخلقُ.