الصفحة 94 من 233

( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأمَنهُ) . [1]

(1) قَولُهُ: (وَإِنْ أَحَدٌ) : أحدٌ مرفوعٌ بفعلٍ يفسِّرهُ استجاركَ، وقَولُهُ: (فَأَجِرْهُ) : أي أَمِّنْهُ، وقَولُهُ: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) : أي حتَّى يسمعَ القرآنَ مبلَّغًا إليه مِن قارئِه، كما قالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ حين قرأ على قريشٍ: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ ) : فقالوا: هذا كلامُك أو كلامُ صاحبِك، فقال: ليس بكلامي ولا بكلامِ صاحبي ولكنَّهُ كلامُ اللهِ، وفي سُننِ أبي داودَ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كان يَعْرِضُ نفسَه على النَّاسِ بالموسمِ فيقَولُ: (( أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلى قَوْمِهِ لأُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبَّي ) )فبيَّن أَنَّ ما يُبلغُه ويتلوه هو كلامُ اللهِ لا كلامُه، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه إذا استَأْمَن مشركٌ ليسمعَ القرآنَ وجب تأمينُه ليُعَلَّمَ دينَ اللهِ وتنتشرَ الدَّعوةُ، ومنها أنَّ رسولَ اللهِ كان يُعطيِ الأمانَ لمَن جاءَه مُسترشدًا أو في رسالةٍ كما جاءَ في الحديبيةِ جماعةٌ من قريشٍ وكذلك مَن قدِمَ من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ في أداءِ رسالةٍ أو تجارةٍ أو طلبِ صلحٍ أو مهادنةٍ أو حملِ جزيةٍ أو طلبٍ من الإمامِ أو نائبِه- أُعطيَ أمانًا ما دامَ متردِّدًا في دارِ الإسلامِ حتَّى يرجعَ إلى مأمنِه ووطنِه، وفيها دليلٌ على إثباتِ صفةِ الكلامِ للهِ وأنَّه يتكلَّمُ وأنَّ القرآنَ كلامُهُ، وفيها دليلٌ على أنَّ الكلامَ إنَّما يُنسبُ إلى مَنْ قاله ابتداءً لا إلى مَن قالَه مبلِّغًا مؤدِّيًا، فإنَّ القارئَ يُبلِّغُ كلامَ اللهِ، وكلامُه -سُبْحَانَهُ- صفةٌ من صفاتِه غيرُ مخلوقٍ، وأمَّا صوتُ القارئِ وكذا المِدادُ والورقُ فهي مخلوقةٌ، لهذهِ الآيةِ ولحديثِ: (( بَيِّنُوا القُرآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ) )، فبَيَّنَ أنَّ الأصواتَ الَّتي يُقرأ بها القرآنُ أصواتُنا، والقرآنَ كلامُ اللهِ، فالقرآنُ كلامُ الباري والصَّوتُ صوتُ القارئِ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ القرآنَ الَّذي هو سُوَرٌ وآياتٌ وحروفٌ وكلماتٌ هو عَيْنُ كلامهِ -سُبْحَانَهُ- حقًّا لا تَأْلِيفُ مَلَكٍ ولا بشرٍ، وأنَّ حروفَه ومعانيَه عَيْنُ كلامِه -سُبْحَانَهُ- الَّذي تَكلَّمَ به -سُبْحَانَهُ- حقًّا، وبَلَّغه جبريلُ إلى محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وَبَلَّغَهُ محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فللرَّسولين منه مجرَّدُ التَّبليغِ والأداءِ لا الوضعِ والإنشاءِ، فإضافتُه إلى الرَّسولِ بقَولِهِ: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) إضافةُ تبليغٍ وأداءٍ لا إضافةُ وضعٍ وإنشاءٍ، لا كما يقَولُهُ أهلُ الزَّيغِ والافتراءِ، وفيه الرَّدُّ على مَن زعمَ أن َّ هذا الموجودَ بين أيدِينا هو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ أو حكايةٍ له، فإنَّه -سُبْحَانَهُ- أخبرَ أنَّ الَّذي يُسمعُ كلامُ اللهِ، وعندهم أنَّ الَّذي يُسمعُ ليسَ كلامَ اللهِ على الحقيقةِ، وإنَّما هو مخلوقٌ حُكِيَ به كلامُ اللهِ على أحدِ قَولِهِم، وعِبارةٌ عُبِّرَ بها عن كلامِ اللهِ على القولِ الآخرِ، وهي مخلوقةٌ على القوليْنِ، فالمقروءُ , المكتوبُ والمسموعُ والمحفوظُ ليسَ كلامَ اللهِ، وإنَّما هو عبارةٌ عُبِّرَ بها عنه، كما يُعَبَّرُ عن الَّذي لا ينطقُ ولا يتكلَّمُ مِن أخرسَ أو عاجزٍ، تعالى اللهُ عن قَولِهِم عُلوًّا كبيرًا، وفيه دليلٌ على أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ وأنَّه يُسمعُ وأنَّه غيرُ مخلوقٍ، وفيها الرَّدُّ على مَنْ زعمَ أنَّه مخلوقٌ أو أنَّهُ كلامُ بشرٍ أو مَلَكٍ أو غيرِ ذلك، وفيها أنَّ مَن زعمَ أنَّه كلامُ غيرِ اللهِ فقد كفرَ أو زعمَ أنَّه مخلوقٌ.

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمه اللهُ: ولم يقلْ أحدٌ من السَّلفِ إنَّه مخلوقٌ أو أنَّه قديمٌ، بل الآثارُ متواترةٌ عن السَّلفِ مِن الصَّحابةِ والتَّابعين لهم بإحسانٍ أنَّهم يقولونَ: القرآنُ كلامُ اللهِ، وأوَّلُ مَن عُرفَ عنه أنَّه قال مخلوقٌ الجَعْدُ بِنْ دِرْهَمٍ، وصاحبُه الجهمُ بنُ صفوانَ، وأوَّلُ من عُرِفَ عنه أنه قالَ: هو قَدِيمٌ عبدُ اللهِ بنُ سعيدِ بنِ كلابٍ، أمَّا السَّلفُ فلم يَقُل أحدٌ منهم بواحدٍ من القولينِ، ولم يقلْ أحدٌ مِن السَّلفِ: إنَّ القرآنَ عِبارةٌ عن كلامِ اللهِ وحِكايةٌ له، ولا قالَ منهم أحدٌ إنَّ لَفْظِي بالقرآنِ قديمٌ أو مخلوقٌ، بل كانوا يقولونَ بما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ من أنَّ هذا القرآنَ كلامُ اللهِ، والنَّاسُ يَقْرءُونه بأصواتِهم ويكتبونَه بِمِدَادِهِم وما بينَ اللوحَينِ كلامُ اللهِ وكلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، والمِدَادُ الَّذي يُكتب به القرآنُ مخلوقٌ، والصَّوتُ الَّذي يُقْرأ به هو صوتُ العبدِ، والعبدُ وصوتُه وحركاتُه وسائرُ صفاتِه مخلوقةٌ، فالقرآنُ الَّذي يَقْرؤه المسلمونَ كلامُ الباري، والصَّوتُ صوتُ القارئِ، انتهى.

قال البخاريُّ رحمه اللهُ في كتابِ (خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ) بعد ذكرِ هذه الآيةِ والآيةِ الَّتي بعدَها، أي قَولُهُ سُبْحَانَهُ: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجيد * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) وقَولُهُ: (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ ) قال: ذكرَ اللهُ أنَّ القرآنَ يُحفظُ ويُسَطَرُ، والقرآنُ المُوعى في القلوبِ المَسْطورُ في المصاحفِ المَتْلوُّ بالألسنةِ كلامُ اللهِ ليس بمخلوقٍ، وأمَّا المِدادُ والورقُ والجلدُ فإنَّه مخلوقٌ، انتهى. من (فتحِ البارِي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت