أما واجب الوجود سبحانه فهو منزه عن ذلك كله، ليس شيء من أسمائه وصفاته كليًا يتركب من جنس يشترك به مع غيره، ولا من فصل يميزه عنه، بل هي خاصة به كخصوص العلم الشخصي بمسماه.
الرابع: إن الكلي لا يتصور كونه محالًا، إذ هو ما له جزئيات موجودة كالحيوان، أو ممكنة الوجود كجبل ياقوت.
والمستحيل عدم محض، ليست له صورة في الذهن، ولا يمكن أن تكون له صورة، ولا يدرك إلا بطريق التشبيه، كأن يمثل اجتماع السواد والحلاوة في العنب مثلًا، ثم يقال: مثل هذا الاجتماع لا يكون بين السواد والبياض، فكيف يتصور كونه كليًا له جزئيات ؟!!
والذين اعتبروا"الإله"و"شريك الباري"كلييَن، مخطئون لم يعرفوا معنى المحال على حقيقته، أو اشتبه عليهم الأمر حين وجدوا كليًا جزئياته معدومة، كجبل ياقوت وبحر زئبق، واعبتروا المحال كليًا مثله، لكن بينهما بونٌ شاسع؛ لأن الممكن المعدوم قابل الوجود، وقد أخبر الله أن في الجنة أنهارًا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهارًا من عسل مصفى، وهذه الأمور ممكنة غير موجودة في الدنيا وهي موجودة في الآخرة، بخلاف المحال؛ فإنه مغرق في العدم لا يقبل الوجود أبدًا بحال، لا في الخارج ولا في الذهن، وجود جزئيات الكلي مترتب على وجود صورة له في الذهن، والمحال لا صورة له، ولا يُذكر إلا منفيًا.
والخلاصة أن الكلي لا يكون إلا في الممكنات فقط دون المحال، وواجب الوجود.
الخامس: إن قول البناني في بيان كلية الإله: (مجرد تصور معناه لا يمنع من تعدد مصدوقه، لكن قام الدليل القاطع على وجوب انفراد الله تبارك وتعالى بالألوهية) يشتمل على تهافت وتناقض، إذ حاصله: أن الإله مصدوقه متعدد عقلًا.
وهذا تناقض واضح لا خفاء فيه، والإله مصدوقه واجب الانفراد في واحدٍ عقلًا.