ويؤكد الإمام الشاطبي (ت790هـ) رحمه الله هذه القضية فيقول: (العقل لا يُجعل حاكمًا بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب أن يقدم ما حقه التقديم-وهو الشرع- ويؤخر ما حقه التأخير-وهو نظر العقل- لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكمًا على الكامل؛ لأنه خلاف المعقول والمنقول) [1] .
فإذا وجد التعارض في الظاهر ولم يمكن الجمع بينهما فإن الشرع هم المقدم على العقل، لأن الشرع صدر عن المعصوم، بخلاف العقل فإنه عرضة للخطأ، والوهم، والنسيان، فهو ناقص قطعًا.
وينبغي أن يُعلم أن عدم اعتمادنا على العقل في الأمور الغيبية لا يعني إلغاء العقل بالكلية، فقد أجمع المسلمون على أنه لا تكليف على صبي و لا مجنون، وأنه لابد من نظر العقل كي يحكم بالجواز لا بالاستحالة، ولذلك أمر الله بتدبر كتابه، و لا يمكن أن يتحقق هذا التدبر إلا بالعقل.
قال ابن خلدون (ت808هـ) رحمه الله تعالى: (العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به التوحيد والآخرة وحقائق النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال) [2] . وهكذا لا يعتمد على العقل في تشريع الأحكام والأخلاق كذلك. لأنه عاجز وقاصر عن إدراك ذلك، ولهذا ضرب ابن خلدون مثالًا على هذا برجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال [3] . فالعقل كميزان الذهب لا يمكن أن نزن فيه ما هو أكبر من قدرته وطاقته، وإلا كانت نتائجه غير دقيقة، وربما تعرض للتلف.
فتبين بهذا أن العقل له حدود وطاقات لا يجوز له شرعًا وعقلًا أن يتجاوزها فإذا ما تجاوزه وقع في الزلل والخطأ.
(1) الاعتصام (2/326) . لإبراهيم الشاطبي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.
(2) المقدمة، ص (364) . لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المكتبة التجارية.
(3) انظر: المرجع السابق ص (460) .