وبهذا يُعلم أن الأصل هو إتباع الكتاب والسنة، وأما العقل فهو تابع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئًا حتى يعقلوا.
ثم نحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله تعالى، وما تعبد الناس به من اعتقاده، من ذكر عذاب القبر، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة والنار..إلخ، فهذه أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا من أمور الدين شيئًا، وعقلناه، وفهمناه، أي حكم العقل بجوازه لا باستحالته، فلله الحمد في ذلك، ومنه التوفيق، وما لم يمكننا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقناه [1] .
ومع هذا فالناس في تعاملهم مع العقل طرفان ووسط؛ طرفٌ جحدوا العقل وعطلوه. وطرفٌ عظموه وقدسوه وجعلوه حاكمًا على النصوص، فإن وافق النص قُبل وإلا فلا، فإن كان نصًا قرآنيًا خالف عقولهم أولوه وصرفوه عن معناه الحق، وإن كان نبويًا صحيحًا ووجدوا له مخرجًا أولوه، وإن لم يستطيعوا لذلك سبيلًا طعنوا فيه وردوه، كذا دون اعتبار للقواعد والأصول الشرعية في التعامل مع النصوص.
المبحث الأول
نشأة التيار العقلي في الإسلام
من المعلوم أن البدع التي نشأت في الأمة الإسلامية لم تظهر دفعة واحدة، ولا في زمن واحد، بل ظهرت في أزمنة مختلفة، وفي أماكن متباعدة، ومن ذلك بدعة تقديم العقل على النقل التي ظهرت على يد المعتزلة في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، حيث نشطت المعتزلة في هذه الفترة، وتوسع زعماؤها في البحث والتدقيق، واطلعوا على كتب الفلاسفة التي ترجمت في عهد المأمون (198-218هـ) .
(1) انظر: الحجة في بيان المحجة، (1/320-321) . والرد على الجهمية للدارمي، ص (308) . والتدمرية، ص (146) . ومفتاح دار السعادة، (2/117-118) . ومختصر الصواعق للموصلي (1/17،74) .