الصفحة 12 من 41

قال الشهرستاني (ت548هـ) : (ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نُشِرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام) [1] .

ولعل السبب في ولوع المعتزلة بالمناهج العقلية والفلسفية، هو كثرة الأديان والمذاهب في البلاد الإسلامية المفتوحة، من يهودية، ونصرانية، ومجوسية، وزرادشتية، وسمنية، إلى غير ذلك من الطوائف التي لا تؤمن بالنقل المتمثل في الكتاب والسنة، مما كان له الأثر في إثارة بعض المسائل البدعية، ومنها بدعة تقديم العقل على النقل، أو مناقشة أصحاب الفلسفات من الأديان الأخرى مع عدم العلم الشرعي العاصم من الانحراف، فأدى ذلك إلى التزامهم ببعض اللّوازم الباطلة أثناء الجدل معهم.

وبعرض بعض عقائد أعلام المعتزلة يتبين لنا هذا الانحراف:

يقول أبو الهذيل العلاف (ت235هـ) : وهو من أوائل روّاد الاعتزال: (إن مقدورات الله عز وجل تفنى حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرًا على شيء) [2] . نعوذ بالله من شناعة هذا القول الباطل. ثم يزعم: (أن الله عالم بلا علم، وأن علمه هو ذاته، وقادر بلا قدرة، قدرته هو ذاته) إلى غير ذلك من الصفات. ويعتبر أن الرواية ريبة والحجة في المقاييس العقلية [3] .

يقول الشهرستاني رادًا عليه هذا القول: (وإنما اقتبس هذا الرأى من الفلاسفة) [4] .

ومن زعماء المعتزلة المعاصرين للعلاف بل وتلميذه الذي كان يفوقه في الذكاء وسعة الاطلاع (النظّام) ، (ت232هـ) الذي قال عنه الشهرستاني: (قد طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة) [5] .

(1) انظر: الملل والنحل للشهرستاني، (1/30) . نحقيق: محمد سعيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، 1402هـ.

(2) انظر: الفرق بين الفرق، لأبي منصور البغدادي ص (122) .مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة.

(3) انظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار، ص (234) . طبعة الدار التونسية للنشر.

(4) الملل والنحل (1/49-50) .

(5) المرجع السابق ( 1/53-54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت